
مذكرات ناطور
لف كوفيته البيضاء حول رأسه، وترك أطرافها تنزل
على أكتافه، وخرج من باب البيت واضعاً يداه
خلف ظهره، وجعل يتمشى ببطءٍ على الطريق مسرحاً
نظره يمنةً ويسرةً ناظراً إلى الحقول البعيدة
التي لم يعد يقصدها منذ مدةٍ لقصور همته، مشى إبن
الثمانين حتى مشارف الضيعة وهناك قعد على
حجرٍ قبالة الوادي لناحية الشرق وأخذ يتذكر أيامه
في المنطرة عندما كان شاباً يضج بالحياة، وسلاحه
عصا الزعرور...
هالله هالله يا دني .. يوم كنت ناطوراً، فقد بنيت
عرزالاً هناك على رأس التلة من أغصان السنديان
ووصعت فيه يالقاً (هو كيس جنفيص مليء بأوراق
القصب) وإبريق فخار مليء بالماء، كنت أجلس
هناك وأراقب الدروب ومن يمر عليها انبهه لوجودي
بتلك الصفارة العتيقة، حتى لا تلعب برأسه
الوساوس ويحاول السطوعلى الكروم التي تضج بالخضرة
وبدأ يلوح عنبها؛
هالله هالله يوم قبضت على المعاز متلبساً عندما
أفلتت منه ماعزه بين الكروم، ولولا وصولي في
اللحظة المناسبة لكان قضي على موسم العنب، أجبرته
على الخروج وبدأت أحرر فيه الظبط، فأخرج
ماعزه بطريقة مبتكرة دون أن يسمح لها بقضم المزيد
من قلاحين الكروم، إنه معاز قبضاي وقد
توسل إلي لعدم كتابة الظبط وحاول رشوتي بإبريق
حليب فلم أقبل معه لأنه "مخرباني ولازمو
تربايي"؛
هالله هالله يوم زارني في عرزالي هناك على رأس
التلة صحافي من جريدة لسان الحال كان يحمل
بندقيته ويصطاد فدعوته وأسقيتهُ من ابريق الفخار
وجلسنا نتجاذب اطراف الحديث، وما هي إلا
لحظات حتى سمعنا خشخشةً ، وإذا بأفعى كبيرة رقطاء
"عقد الجوز" لفت نفسها على "ساموك"
العرزال وصعدت إليه قاصدةً الأذية إلى أنني كنت
أسرع منها فقبضت على عنقها ودققت رأسها
وقلت للصحافي هذه الأفعى تشبه التي أتت قبلها في
الأسبوع الماضي، فحملتها وذهبت حيث دفنت
رفيقتها وكان الصحافي يرافقني وعندما نبشناها فإذا
بها من ذات الفصيلة، فقال الصحافي هذه أنثى
وذاك ذكر وقد أتت تحاول الثأر لبعلها، وبعد أسبوعٍ
جاؤوني بصحيفة لسان الحال وقد كتب فيها
الصحافي قصتي مع الأفعى تحت عنوان " تثأر
لبعلها"؛ أيه ... هالله هالله..
هالله هالله يوم سهرنا السهرة الأخيرة على
المعصرة، وفي ساعةٍ متأخرة من الليل نضج دبسنا
وكان
لذيذا جداً فأخرجناه من الخلقين ووضعناه في الجرن
الحجري وأخذنا نخفف النار بإخراج الجمرات
الباقية من الموقد ثم أخذنا نرش المياه داخل
الخلقين بواسطة الكرنيب قائلين إنه أخر نزل دبس
هذه
السنة؛ "مدري عمين تعود" .. تراها هل تعود ؟..
أيه.. هالله هالله ...
المحامي فيصل القنطار