ربيع دمشق، الجزء الثاني

مدير المدرسة جلس على مقعد الدراسة والتلميذ اخذ وضع الاستاذ، لكن
المدير الجالس هو من يدير الدفة فيشرح للتلميذ كيف
يجب ان يلقن مبادئ "البعث" الى رفاقه... انه واحد
من المشاهد الاكثر سخرية في "الطوفان"، الفيلم
الوثائقي الجديد لعمر اميرالاي الذي عرض في حلقة
خاصة في بيروت مساء امس وسوف تبثه "ارتي"، القناة
الثقافية الفرنسية - الالمانية، في غضون اسابيع.
ليس واضحاً ان كان استاذ السينما الوثائقية
العربية اراد من هذا التصوير استعارةً لجدلية
"الحرس القديم والحرس الجديد"، لكن المشهد ينطوي
في ذاته على دلالة قاتمة عن تداول الاجيال في كنف
"البعث"، وليست المشاهد الاخرى التي التقتها في
احد مدارس الريف السوري لتبدد الصورة السوداوية
التي يمكن رسمها عن "بلد اسمه سوريا الاسد"، بحسب
تعبير اميرالاي.
تلك الصورة ليست من نسج الخيال السينمائي، ويكفي
رصد الجمود المهيمن على السياسة الرسمية السورية
لتلمسها. ومع ذلك، ها هي انباء سوريا تأتينا
بجديد، وكأن الربيع عاد يطرق ابواب دمشق.
قبل ثلاثة اعوام تماماً، في شباط ،2001 بدأ
الاعتقاد يسود ان الستار يسدل على "ربيع دمشق"،
بعد بضعة اشهر على تفتحه في بيان الـ99 مثقفاً
الذي طالب برفع حالة الطوارئ والافراج عن
المعتقلين السياسيين وعودة سوريا الى حياة سياسية
طبيعية.
وقد
تكوّن هذا الانطباع اثر مقابلة شهيرة للرئيس
الجديد (آنئذ) بشار الاسد القى فيها بالشبهة على
المثقفين وتزامنت مع حملة ميدانية تزعمها نائب
الرئيس القديم (اليوم كما الامس) عبد الحليم خدام
لمقارعة هؤلاء المثقفين والانتصار لحزب "البعث"
بفرعه الدمشقي.
وبالفعل، لم تمر سوى اشهر الا وانقضّت الاجهزة
الامنية على المنتديات الفكرية التي كانت قد
ازدهرت في المرحلة الانتقالية التي تلت رحيل حافظ
الاسد، وعادت سياسة الاعتقالات، وإن ظل عددها
محدوداً مقارنة بالماضي. ثم جاء تفعيل التعاون
المخابراتي بين سوريا والولايات المتحدة بعد 11
ايلول ليوحي أن الرهان البعثي (السوري) على الجمود
قادر على شراء فترة سماح دولي جديد، وتالياً على
تناسي وعود التغيير التي تم التلويح بها بعد وفاة
الاسد الاب. هكذا انكفأ "الربيع"، وانحصرت الاصوات
المعارضة السورية في صفحات "النهار" وملحقها.
لكن "ربيع دمشق" لم يكن قراراً سلطوياً، هذا ما
نفهمه اليوم مع استعادة المعارضين السوريين نبرة
الاعتراض، وفي اصعب الظروف، من خلال العريضة
الجديدة التي وقعتها الى الآن 700 شخصية وطالبت
مجدداً برفع حالة الطوارئ.
الحيثيات هذه المرة مختلفة. في عام ،2000 كان رحيل
الاسد الاب، الرجل الذي اختصر صورة السلطة لثلاثة
عقود، مناسبة لفتح صفحة جديدة تخرج سوريا من حالها
غير الطبيعية. وجاء كلام الرئيس الخلف عن "الرأي
الآخر" وما نسب اليه من اهتمامات تحديثية، ليدفع
الى توقّع ردة فعل ايجابية من السلطة الجديدة. اما
اليوم، فلا اوهام، اذ ان الحكم في سوريا اثبت انه
لا يريد التغيير الا بالقطّارة. فلا اصلاح ينجز
ولا تحديث الا ويتأخر كما يشهد على ذلك التباطؤ في
انفتاح القطاع المصرفي. لكن المشكلة تذهب ابعد من
الارادة. فحتى وإن توفرت الارادة، فمن الواضح ان
الحكم الجديد الذي لم يعد جديداً، فقد قوة الدفع.
حتى ان البعض يذهب الى حد التشكيك في امكان ترجمة
ارادة التغيير، اذا وجدت، في ارض الواقع، لما يظهر
الى العلن من تعدد لمراكز القوى في منظومة السلطة
السورية.
وابرز دليل على هذا التعدد الاشارات المتناقضة
التي تصدر عن الاجهزة الامنية التي تلاحق الناشطين
في مكان، كما في "قضية حلب" التي كتب عنها ميشال
كيلو ("النهار" اول من امس)، وتتوانى عن التحرك في
مكان آخر. ويزيد من صعوبة الظرف ان سقوط "البعث"
في بغداد، رغم حمله دلالات لا تغيب على احد في
سوريا، لم يعط بعد صورة واضحة للبديل الديموقراطي.
بل ان هيمنة الولايات المتحدة، فضلاً عن ضغوطها
على الحكم السوري، صعّبت الامر على المعارضين
فيها، ولعلها اخّرت عودتهم الى التحرك.
بيد ان عودة الروح الى المجتمع المدني، رغم الظرف
العراقي، تؤكد كم ان الحاجة الى التغيير باتت ملحة
في سوريا. طبعاً، لا يخال احد ان رفع حالة الطوارئ
كاف لتبديل الاوضاع السورية، ولا بد ان يكون بداية
لورشة طويلة تمر بتفكيك الحصرية الفكرية التي
رصدها عمر اميرالاي في "الطوفان". الا ان مثل هذا
الاجراء يبدو شرطاً اولياً لاي تغيير مستدام، بل
انه قد يشكّل رسالة الى الخارج بمقدار ما هي الى
الداخل.
في هذا المعنى، فان عريضة الـ 700 توفر فرصة للحكم
في سوريا، او لبعض مكوناته. هكذا يستطيع "البعث"
المتبقي في دمشق ان يخوض اخيراً تجربة الاصلاح
السياسي، بدءاً برفع حالة الطوارئ، من دون ان يبدو
منصاعاً الى ضغط اميركي.
سمير قصير