النزوح حركة ديمغرافية عاشتها
مجموعات لبنانية عديدة كانت مستقرة أصلا
في الجبل والأطراف. وها هي علوية صبح
توصّف لنا ببعض صفحات من كتابها مريم الحكايا
ما عاشه الشيعة اللبنانيون في الخمسينات وما
تلاها ، من حراك ديمغرافي انطلاقا من جنوب لبنان
باتجاه بيروت . وهي حركة لاحقة للنزوح الماروني
من الجبل. وكالنزوح الماروني انتجت تغيرات
إجتماعية وسياسية واقتصادية لا تزال نتائجها تظهر
تباعا في تبدّلات وتشوهات الكيان اللبناني.
أللوحة التي ترسمها صبح بعيدة عن السياسة ،
انسانية بامتياز تتناول جوانب عديده من المعاش
الشيعي في مسار العذابات المستمرّه
الموقع

علويه صبح
أنا مريم ،آخرحبة في عنقود عائلتي عنقود العنب
الذي نزح حصرما" الى بيروت لتستوي حباته
وتهرهر فيها. ولتصير كل حبة فيه بذرة لعنقود آخر
زغردت أمي فاطمة بنت السيد نجيب ، أم محمد، زوجة
حسن بنت السيد علي، أبو أحمد ، وهي تلعن الحصيدة
والفلاحة والعذاب والجوع حين وصل أبو أحمد من
بيروت. غاب أسبوعا ودخل دارنا في القرية مرتديا"
بنطالا وقميصا" بدل الشروال ومبتسما ابتسامة
الظافرين
جلس ليرتاح من تعب الطريق، فركضت أمي لتأتيه بكوب
الشاي الغامق مع الكثير من السكر ليستعيد نشاطه.
رشف رشفة طويلة فيما جلست أمي القرفصاء أمامه تنظر
في وجهه. لم تعد تقوى على الصبر لسماع نتيجة رحلته
الى العاصمة، فقالت: شو يا بو أحمد، شو صار معك،
قل لي، إنشاالله خير
حضري حالك إنت والولاد، دبّرت ببيروت شغل بسكة الحديد
شو عم تحكي يا رجال؟
إي والله يا إم أحمد
وزغردت عيناها بعد أن توقف لسانها عنها ونامت في
تلك الليلة وأغمضتهما بعد أن تطلّعت طويلا الى
جدران البيت الترابي التي عمّرتها بيديها مع أبي ،
ثم الى السقف الخشبي الذي يتمدّد فوق قصب يعلوه
التراب الذي جبلاه بالتبن ورصّاه بالمحدلة لكي لا
تتسرب منه مياه المطر
نامت ليلتها وحلمت ببيروت حتى قبل أن تراها
بعينيها، بعد أن سألت زوجها
كيف هي بيروت يا رجال؟
بيروت مدينه، مش متل الضيعة
شو يعني، كيف؟
يعني بيوت حجر كبيره وطوابف، وأرض فلاه وشجر
وصبير. والمهم إنو في شغل هونيك، بكرا بتشوفيها
حلمت ليلتها بضوء القمر يملأ بصرها. وفي الصباح
خافت من منامها، لإن مشاهدة القمر في منامها
ينبئها دوما بحمل جديد في بطنها. تشوش ذهنها لأن
ابنتها الصغيره رقم خمسه كانت لا تزال رضيعة. ثم
عاد قلبها وبرد، وخوفها زال عندما تذكرت أنها
نازحة الى بيروت. قد تكون رؤية القمر تعني ولادة
حياة جديدة للعائلة كلها هناك. حكت المنام لأبي،
كعادتها كل صباح ، فقال لها : خير يا أم أحمد،
فأجابته: خير، اللهم إجعله خير
لكن الخير لم يأت بين ليلة وضحاها
يتبع غدا
من كتاب مريم الحكايا لعلويّة صبح