Home Page
         
E-cards Discussion Carte Statistiques Contact  
Presse


          

 




علويه صبح

شحنتهم البوسطة أمي وأبي والأولاد،وأكياس المونه الجنفيص المليئة بالعدس والبرغل والحمّص والزعتر والزهورات والفول ، وكلما استطاعت أن تضعه فيها. ربطوا الأكياس على ظهر البوسطة بحبل يثبتها كي لا تقع، تاركين البقر والدجاج في عهدة خالي في دار البيت الذي لم يكن بعد قد أحاطه سور من الباطون كما حصل لاحقا

أمي لبست فستانها الجديد المزين بالزهور الملوّنة لأول مرة احتفاء بالرحلة، إلا أن رائحة التقيّؤ فاحت منه، بعد أن تحرّكت بهم البوسطة بقليل

جحظت عيون إخوتي حين لفّت البوسطة الكوع من قرية "الزراريّه" نزولا لتطل فجأة على البحر  المنبسط أمامهم على طول الخط الساحلي على مد عينك والنظر. شهقوا جميعا، فيما صرخت أختي زينب قائلة

يا مشحرين شو ها؟

هيدا البحر

البحر؟ يا دلّي شو كبير. وكلّه مي،  ولمّا بيفضا منين بيعبوه يا بيّي؟

وفيما أمي تكاد تغيب عن الوعي من ألم الصداع الذي أصابها إلتفت أبي إليها وقال : شفتي ليش ما بركبك ورايي عالجمل ، وليش ما أخدتك معي عالطيبه على دفن البيك؟ عم تستفرغي متل ما استفرغتي  وقت ركّبتك مرّه عالجمل ونزّلتك ورايي على صور

أمي لا ترد، رأسها ينقر من الألم نقرا، والشمس الحارقة طوال الطريق تحرق جوفها وهي جالسة في مقعدها بعين الشمس، الى أن وصلت البوسطة الى حرج بيروت. هناك نزل الركّاب وتوزّعوا على الطنابر الواقفة على جانبي الطريق لنقلهم الى مختلف المناطق ، الى الأشرفية والبسطة التحتا وزقاق البلاط وخندق الغميق، حيث استقرّت آنذاك  عائلات قادمة من قرى الجنوب، حاملة معها عفشها وطفشها وتقاليدها وكل حياتها

مشى أبي في المقدّمة، ليدل صاحب الطنبر الى منطقة السيوفي في الأشرفية، حيث استأجر أرضا". على الصندوق الخشبي الكبير للطنبر الذي يقوده حصانان وضع أبي أكياس المونة وبابور الكاز وثياب العائلة والحرامات والفرش المصنوعة من الجنفيص وخرق القماش التي حاكتها أمي لتصير سميكة وجاهزة للإستعمال كأغطية. خلف الطنبر مشت أمي وخلفها أخوتي وأخواتي، ومانع أبي أن تمشي أمي بجانبه في المقدّمة لأن هيبته كرجل تهان إذا شاهده أولاد عمّه الذين سبقوه الى السيوفي وبجانبه زوجته

إمشي ورا مع الأولاد، بدّك ولاد عمّي يشوفوك ماشيه حدّي ويقولوا  إنه أبو أحمد مشّى مرته حدّه؟

مشت أمي خلفه والدّوخة تمشي في رأسها كعادتها حين تستعمل أي وسيلة إنتقال، وظلّت هكذا حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على  انتقالها بالسيّارات في بيروت ، تتقيّأ في كل مرّة

فجأة صرخت أختي زينب صرخة صعقت لها أمي وأبي وصاحب الطنبر وأخوتي بعدما تباغتت فجأة بزمور السيارة وسرعتها ولونها الأسود. صرخت وهي  تفنجر عينيها وتتمسّك بفستان أمي من الخلف وتختبئ به، وهي تولول : يا أمي، هجم علينا الضبع، وين بدنا نتخبّى، شافنا يا أمي، ليكي عيني شو كبار وتمّه شو واسع ولونه أسود، دخلك يا إمي خبيني

لم يسبق لزينب أن رأت ضبعا في حياتها، ولكنها تعرف أن الصعود الى ذروة الخوف في القرية هو على أدراج حكايات الضبع وهجومه على بني آدم. وخيّل إليها أن ما سمعته مرارا عن الضبع يتمثل أمامها في هذا المخلوق العجيب الذي يندفع تجاههم دون تباطؤ أو رفّة عين. ولم تهدأ إف بعد جهد جهيد من أبي، وبعد أن مرّت سيارة الفورد السوداء الضخمة بسلام من قربهم

ولكن بال أمي لم يرتح بعد انتقالها الى بيروت

يتبع غدا

من كتاب مريم الحكايا لعلويّة صبح

هذا الكتاب متوفر في مكتبة المتين العامّة وبالإمكان استعارته


 

 

Espace Économique - Espace Municipalité - Espace Culture - Espace Historique
Contact - Statistiques - Carte - Discussion - E-Cards
  free web site counter

   Designed and Developed by Webserv

                                                                                            Created by C & C Najjar