Home Page
         
E-cards Discussion Carte Statistiques Contact  
Presse


          

 




علويه صبح

إنتقلت أمي من حياة الفلاحة الى العمل في المنازل والمستشفيات، بعد أن أصبح أبي بلا عمل.طُرد من سكة الحديد، ولم يستطع أن يعمل مياوما" بالعتالة بسبب عرجه وكتفه المعطوبة منذ أن وقع عن الجمل. عانت أمي لمدّة أربع سنوات قبل أن يدبّر له البيك عملا في المرفأ. في تلك السنوات كانت العائلة تعيش على قروش يكسبها أبي من العتالة الخفيفة هنا وهناك. ومن عرق أمي في خدمة المنازل وغسيل مناشف مستشفى أوتيل ديو. تأتي بالمناشف المتسخة يوميا" من المستشفى وتعيدها نظيفة ورائحة الصابون تفوح منها. تنشرها تحت الشمس ، والهواء يتلاعب بها على المناشر التي أقامها أبي في أرض الدار حتى تطهرها الشمس. مناشف لا تعد ولا تحصى. تضع أمي لكن الغسيل أمامها، بين ساقيها وتفرك بالماء والصابون، حتى يبست يداها وتشققتا من كثرة الفرك. يداها ظلّتا يابستين حتى آخر أيامها

عاشت العائلة من تيبس يديها، ومن معاش أختي الكبرى زينب التي كانت في الثالثة عشرة من عمرها، تخدم في أحد بيوت الأشرفية، وعمل أخواي أحمد ومحمود، وكانا في العاشرة والتاسعة من عمرهما، في مصلحة الجمارك في المرفأ، بادئين بخدمة العاملين هناك ليتعلّما بعدها مهنة تخليص البضائع، وهذا ما حرمهما دخول المدارس في بيروت بعد تعلمهما الكتابة والقراءة على يد أستاذ الضيعة الشيخ فضل، خاتمين القرآن قبل مجيئهما الى بيروت

أما البنات الباقيات اللواتي كررن كرا" من بطن أمي ، كما يكر خيط البكره، فقد تسنى لهن دخول المدارس. كل أخ يربي أختا"، وأخت تربي أختها الأصغر، وكلّما صغر بطن أمي يعود ليكبر حتى أصبحت العائلة وكأنها عائلة دجاجة:صبيان وثماني بنات، عدا الذين أجهضتهم، وعدا " الأربعة بطون" الذين ماتوا في أحشائها من القهر

إلا أن حزنها على الذين ماتوا في بطنها لم يكن أكبر من حزنها على تلك الحبّة الغريبة التي برزت في ظهر أبي. لم يعرف الطبيب سر تلك الحبة التي سببت له آلاما مبرّحة في عموده الفقري. لكن أمي عرفت السبب، وأخبرت الجميع وهي تضرب كفا بكف وتقول: الرجل ما في يزعل متل المرا المرا بتتحمّل زعل مدري ليش، بس الرجال بيطق قلبه وبينفلج. وشكرت ربها أن الأمر انقضى ببروز حبّة في ظهره، دون أن يصاب بالفالج

وشكرت ربها لأن عملها عند بيت المتني لسنوات علّمها أشياء كثيرة غير التكنيس والتمسيح والنظافة. فقد تعلّمت ترتيب الشراشف ومدّها بأناقة لتغطي السرير. وتعلّمت مدّ طاولة السفرة وترتيب الصحون عليها. صارت تقارن بين الأغطية والحرامات عند بيت المتني وبين أغطيتها وحراماتها وتقول لزينب : ليكي يا زينب، هيدي حرامات وحراماتنا حرامات؟

تغيّرت الحرامات في بيتنا بعد أن تزوّجت أختي زينب   بعسكري من أقربائنا، بدأ يأتي بحرامات عسكريّة، وكذلك بعد وظيفة أبي التي دبّرها له البيك الأسعد، بعد أن نزل بنفسه الى المرفأ، فبدأ أبي يتقاضى معاشا" معقولا

لكن عمل أمي لم يتوقّف بالطبع، فكلما زاد الدخل، زاد عدد الأفواه، وآلام الولادة لم تتوقّف

إنتهى

من كتاب مريم الحكايا لعلويّة صبح

هذا الكتاب متوفر في مكتبة المتين العامّة وبالإمكان استعارته


 

 

Espace Économique - Espace Municipalité - Espace Culture - Espace Historique
Contact - Statistiques - Carte - Discussion - E-Cards
  free web site counter

   Designed and Developed by Webserv

                                                                                            Created by C & C Najjar