المسيحية التقدمية في العالم
العربي

غسان حجار
قرأت في "نهار"
السبت النائب السابق فارس سعيد
يتحدث عن "ربيع العرب وخريف الموارنة" فلفتني الى
أمور عدة في عالمنا العربي،
انطلاقاً من انتقاده انشغالات الموارنة في لقاء
بكركي
الأخير واهتماماتهم في بيع الأراضي
ووظائف القطاع العام، وهما ملفان حيويان لمسيحيي
لبنان، لكن بحثهما ربما يأتي في
اللحظة غير المناسبة، إذ يُظهر انكفاء خميرة
مسيحيي
العرب إلى شؤونهم الداخلية الضيقة،
التي تضمن بقاء محدوداً في الزمان والمكان، ولا
تقدم رؤية مستقبلية لما يمكن أن
تؤول إليه أوضاعهم.
ولدى قراءتي هذه، شعرت بأني
وقعت سابقاً في "الفخ" عينه، عندما
كتبت أن مسيحيي لبنان، على اختلاف انتماءاتهم،
متخوفون من سقوط النظام السوري
الحامي الأقلية المسيحية. وهو تناقض في المشاعر
ينتاب اللبنانيين، شعور ايجابي
يبلغ حد الشماتة غير المعلنة لدى البعض مما يجري
في
سوريا، وخوف مسيحي عميق انطلاقاً
من مراقبة الكنيسة اللبنانية ومؤمنيها ما آل اليه
وضع مسيحيي العراق ما بعد صدام،
وربما أقباط مصر ما بعد مبارك، وصولاً إلى مسيحيي
سوريا ما بعد الأسد.
لكن "الفخ" لم يأتِ من عدم، بل من
مداولات أهل الكنيسة،
وهذا الأمر أراه اليوم خطيئة
دفعتنا إليها الكنيسة نفسها، إذ تحولت حائط مبكى
يأسف
لرحيل الدكتاتوريين، بل صارت
الكنيسة كأنها تصلي لدوام حكمهم، لتعيش في ظلهم
وفي
حمايتهم، محولة نفسها ورعاياها أهل
ذمة بالقول والفعل.
لم تكن المسيحية المشرقية
هكذا على مر العصور، بل كانت
السباقة في التقدّم، كانت المعلمة والمربية
والشافية،
وكانت الوعاء لكل فكر علماني حر،
وكانت المنادية بالمواطنة وقيم المساواة والعيش
الواحد، وكانت الرأسمالية
والمدافعة عنها اذ قام القطاع الخاص في مؤسساتها.
أنتجت
المسيحية المشرقية علمانية الحزب
السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث، وحضنت
الشيوعية والاشتراكية، وناضلت من
أجل حقوق الإنسان في مدارسها وجامعاتها، وساهمت
الكنائس الغربية الوافرة الى الشرق
في بلورة هذه الرؤى، فكانت الجامعة الأميركية في
بيروت التي نافست اليسوعيين،
فأسستا لحال فكرية عمّت الشرق كله.
أين هي تلك
الكنيسة اليوم؟ وأين رجالاتها؟ هل
تستكين في أحضان سلطات ظالمة وتدعو لها بطول
البقاء؟ صارت خائفة، منهزمة،
محبطة، تفتش عمّن يحمي بقاءها ويرعاه، وعن وظيفة
بعدما
كان لها الدور كله! قد تفيد
مبادرات للحد من بيع الأراضي أو للدخول في ملاك
الدولة،
لكنها مبادرات غير رؤيوية، لأن
"حارات المسيحيين" موجودة في طرابلس وصور والنبطية
وبعلبك وغيرها من المدن والقرى،
وهي تحافظ فقط على أسمائها من دون ناسها.
ان
الثورات العربية المتفجّرة في كل
مكان تحتاج إلى دعم الكنيسة لها، بل الى ان يتقدم
المسيحيون صفوفها، محاولين مرة
جديدة الدفع باتجاه المواطنة، والدولة المدنية،
وحقوق الإنسان.
غسان حجار
ghassan.hajjar@annahar.com.lb