|
إإنها مقابلة أجراها الناقد المتخصص الأستاذ عبدو وازن مع الأستاذة
غادة شبير ستنشر في جريدة الحياة خلال الأيام المقبلة

إ
1-
ماذا يتضمن برنامج الحفلة في المتين؟
يقسم برنامج حفلة المتَين الى ثلاثة أقسام. يتضمّن القسم
الأوّل منه موشحات جميلة، والقسم الثاني قصائد جديدة من
حيث الكلام واللّحن والتوزيع الجديد كما النظرة الجديدة
ربّما لشكل القصيدة التي لم نعد نسمع بها اليوم إلاّ
قليلاً جدّاً. وقد أدرَجتُ في البرنامج قصيدة لجبران خليل
جبران ومِن ألحان العظيم محمد عبد الوهاب وغناء السّيدة
فيروز وهي قصيدة "سكن اللّيل". وقد اخترتُ هذه القصيدة
بالذات لأنّها تفصل بين حَقبَتَين من الزّمن، حقبة الغناء
الطربي القديم وحقبة الغناء التعبيري الذي يعتَبَر حديثاُ
نسبةَ الى القصائد القديمة.
كما اخترتُ بعض الأعمال لأسمهان التي أجدُ فيها روعة في
الكلمة واللّحن والأداء. وفي القسم الثالث أضفتُ أيضاً بعض
الألحان التراثيّة اللّبنانيّة المجهولة المؤلّف والملحّن.
وأنهي الحفلة بقصيدة للشاعر الكبير ايليّا أبو شديد بعنوان
"تراب". سوف أؤدّيها
A Capella
مع أصوات رائعة من الشّبان والشابات ويليها أغنية وطنيّة
عن ساحة المتين الأثريّة. تلك السّاحة التاريخيّة الرّائعة
التي تحدَّت الحروب وصمَدَت وصمد أهلها وما زالَت حتى
اليوم تحتفظ باسمها "ساحة الميدان بالمتين". ففي هذه
السّاحة قصور لبنانيّة عريقة بمختلف الأشكال وبهندسة
لبنانيّة رائعة. وقد وجدتُ نفسي قادرة على ترجمة ما
أحسَستُ به عند زيارتي للمتين لأوّل مرّة. فكتبتُ نص
الأغنية ولحّنتها ووزّعها الأستاذ فادي خليل. وسوف أغنّيها
في ساحة المتين الأثريّة بمصاحبة فرقة موسيقيّة عريقة.
2-
ماذا
يعني اختيار المتين لتغني فيها انت التي غنيت
في مدن عالمية وعربية كثيرة؟
"المتين"، لم يكن هنالك من خِيار في أن أغنّي أو لا أغنّي
بل هو شرف كبير لي أن يدعوني رئيس بلديّة المتين الأستاذ
زهير بو نادر كي أغنّي في هذه السّاحة العظيمة التي سبقَ
وغنّى فيها كبار شعراء ومغنّي الزّجل اللّبناني، فما زلنا
حتى اليوم نسمع بحفلة زغلول الدامور في المتين. وأنا أرى
أنّ دور المهرجانات في لبنان يكمُنُ في استقطاب أكبر عدد
من الفنّانين اللّبنانيين لتقديم أنماط غنائيّة مختلفة
تردُّنا الى الجذور وتفتح أمامنا طريقاً نحو التجديد.
نعم لقد غنّيت على أكبر مسارح في العالم وزرتُ دولاً بعيدة
جدّاً وغنّيت الغناء اللّبناني والموشحات على مسارحها
كالصّين وأميركا وأوروبا إلاّ أنّ لبنان يبقى بلدي ومن
واجبي الوطني أن أغنّي على مسارحه وأن أحمل الكلمة واللّحن
وأجعلها بأنغامٍ مختلفة وبإحساسٍ رائع، فأقدّم لأهلي ما
يرضيني أوّلاً وأخيراً.
ولضيعة المتين كلّ المحبة والتقدير، فقد زرتُ هذه الضيعة
مرّاتٍ عديدة في فترة تحضير العمل وتمّ استقبالي باحترامٍ
وتقدير ومحبّة وكرم تتميّز به ضِيَعُنا اللّبنانيّة.
3-
ماذا تتوقعين ان تكون علاقة الجمهور
باغانيك التي
تنتمي الى الاصالة التي بتنا نفتقدها اليوم؟
أعتقد بأنّ النّاس أصبحَت تعرف بأنّي لا أؤدّي الأغاني
الرّخيصة، فأنا أحترمهم وباحترامي لهم لا أسمح لنفسي
باستغلال وجودهم ليكون العمل أشبه بعرض مسرحي وتكون
الأولويّة فيه للإضاءة والديكور. بل أختار دائماً العريق
والجميل والرّائع من الكلمة واللّحن ليكون وجودي للغناء
بأداء مميّز أوّلاً وأخيراً. وبما أنّني باحثة بمواضيع
عديدة في الغناء العربي، أراها فرصة مهمّة لاختيار أعمالٍ
نادرة وجعلها على مسامعهم. والجمهور يتفاعل بعفويّة تامّة
أمام العمل الذي يسمعه وهو لا يعرف الكذب فإن أحبّ عملاً
كان صادقاً، وإن لم يحب كان أيضاً صادقاً وهنا يكون عليّ
أن أعيد النّظر. ربّما هنالك ثغرة ما يجب العمل عليها.
أمّا الجمهور، فهو حرٌّ طليق لديه كل الحريّة ليقبل عملاً
ما أو يرفضه. وأنا أتفاعَل معهم وأفهّمهم وأعرفُ في كل
أغنية ما مدى محبّتهم لهذا العمل. وهنا يُمكن أن أضيف
بأنّه ليس هنالك مِن عمل قديم أم عمل جديد في الغناء
العربي. هنالك غناء جميل ولحن جميل، والأعمال الجميلة هي
كالألوان لا تتغيّر مع مرور الزّمن عليها.
4-
تغنين باحترافية عالية من غير ان
تتخلي عن الاحساس
الداخلي العميق.كيف استطعت ان تجمعي بين الاحتراف
الاكاديمي والنزعة
الداخلية؟
الدّراسة والغناء بإحترافيّة عالية لا يعني أن نفقد
الإحساس في الغناء بل على العكس. ندرس المقامات العربيّة
والإيقاعات الصّعبة والأداء القديم منه والحديث وهذا
يجعلنا قادرين على المزج بإحترافيّة وبعلم في الأداء. أن
نتعمّق في الغناء العربي هو أن ندرس وننسى ما درسنا
ونَنهَل من المخزون الباقي في أذهاننا. ولا أخفي عنك أنّ
فيروز علّمتني الكثير. علّمتني كيف أكون بسيطة في تناول
الجملة اللّحنيّة وبأدائها، وعلّمتني الإحساس والتعبير في
الغناء، أليسَت هي الملكة في هذا المضمار؟ يكفي أن أسمع
صوتها مرّة كل يوم لأتعلّم منها شيئاً جديداً في كلّ مرّة.
5-
هل هو قدرك ان تختاري الفن الصعب والبديع في زمن
السهولة والانحطاط ؟
ليس قدري بل أعتبر أنّه كان لي الحظ في أن أتعلّم وأن
أعرف. عندما نتعلّم نستطيع أن نعرف كم نحن بحاجة الى وقتٍ
وعلمٍ لنكون حقيقةً على مستوًى عالٍ في العطاء وفي الفَن.
والأعمال الصعبة التي اخترتُ أن أغنّيها، أجدُ لذّة في
تقديمها لأنّني أعرف كل ثغرة فيها وأين تكمن الصعوبة في
هذه الجمل اللّحنيّة الرّائعة. حظّي كبير لأنّني أستطيع
وبكل تواضع أن أغنّي وأن أحفظ أصعب جملة غنائيّة، وذلك
بالتّقنيّة العالية التي أملك وبالعِلم الذي أصبح مخزوناً
كبيراً أنهلُ منه ساعةَ أشاء كيفما أشاء.
وصراحةً لم أعد أعرف إن كان هذا اللّحن صعباً الى حدّ أن
يقول عنه المستمع صعب الأداء. فأنا أغنّي بفرحٍ وثقة وعِلم
وأداء عالٍ، وهذا يُشبِع فضولي وطموحي اللاّحدودي لهما.
فأعطي بدون حساب ودون تفكير مسبق في العمل.

قابلها عبدو وازن من جريدة الحياة
|