دبس
مع حلول الصباح الباكر من اليوم التالي هبت نسيمات
تشرينية خفيفة داعبت اغصان السنديانة
العتيقه ونثرت ما يبس من اوراقها واسقطت بعضا من
ثمارها المسماة(دوّام)على الارض
فاحدثت وقعا خفيفا وسقط بعض منها على مخدع اجرار
مياه الشرب فاصاب الماء داخل الجرة
فاحدث صوتا منبها, وبدأت بعض العصافير تجتمع في
الحرش القريب وتعزف مواويلها؛ نهض
احد المعصرجية من نومه وذهب فورا الى الحفرة
الحجرية ليتفقد العصير الذي اصبح مسطارا
صافيا من كل كدر واصبح لونه نبيذيا شهيا وبدأ
يبرد, وهنا توجه الى الخلقين وافرغ محتواها
من المياه ونظفها جيدا بقطعة قماشيه وتناول من
فوره المجري ووضعه على حافة الحفرة بتنكته
الواسعه وادار رأسه باتجاه الخلقين بعد ان وضع
عليه خرقة من الشاش منعا لتسرب اية اوساخ
وبدأ يفرغ محتوى الحفرة الحجرية بتأن شديد بواسطة
الكرنيب اولا خوفا من تعكير المسطار
ومن ثم تابع عمله على هذا النحو بواسطة الطاسه
النحاسيه حتى اشرف على افراغ الحفرة من
كل المسطار وبقي في قعرها بعضا منه مع العكر
والكدرالباقي من اثرالحوارى وبعض بذور
وقشور حبوب العنب ولم يعد ذلك يصلح لاضافته الى
المسطار المعد ليصبح دبسا خشية تعكيره
انما يمكن استعماله فيما بعد ليكون دبس الزلعه ؛
وبعد قليل نهض المعصرجية الاخرون من
نومهم وتوجه احدهم مباشرة ليعاون رفيقه فنزل الى
الموقد واشعل النار جيدا والقى فيها قطعة
حطب كبيره وترك النار تشتعل ببطء ؛ واما الاخر فقد
نزل الى بئرالمياه القريب وتناول منه
دلوين من المياه وجلبها الى قرب البئر الحجريه
ليقوم بغسلها وتنظيفها, وبعدها تناول الجميع
طعام الفطور فيما المسطار في الخلقين بدأ بالغليان
شيئا فشيئا فنزل احد المعصرجيه الى الموقد
واخذ يزيد من تاجيج النار فيما تناول الاخر
(المشلي) وهو عبارة عن عصا طويله ثبت في
رأسها
قطعة نحاسيه مستديرة الشكل وفيها عدة ثقوب صغيره
وجعل يغمسها في محتوى الخلقين
الذي اخذ يشتد غليانه ومن ثم يرفعها ويغمسها من
جديد بقصد عدم ترك المحتوى يفور الى
خارج الخلقين(وهذا ما يسمى شل الدبس) واستمر الوضع
على هذا الحال واستمر انشغال
المعصرجيه طيلة قرابة اربع ساعات من الضرام
والوقيد والشل ؛ والان شارفت الطبخة على
النضوج فصاح المعصرجي خففوا الوقيد فقد اصبح
المحتوى احمرا نحاسيا وغدا غليانه اشبه
بالبركان يعني انه قد نضج وينبغي تحيّن اللحظه
المناسبه لاخراج الدبس من الخلقين؛ وصاح
الجميع اوقفوا الوقيد, فتوقف اضرام النار واخذ
احدهم يتناول قليلا من المحتوى لفحصه الى ان
صدر الامر( صارو دبس جيبو الدست) فاحضر احدهم
الدست الكبير وتناول الكرنيب ذي العصا
الطويله وبدأ بافراغ المحتوى في الدست حتى امتلأ
وحمله بمعونة احدهم بواسطة حلقاته
النحاسيه وافرغاه في حفرة حجرية صغيره معده خصيصا
للدبس تسمى الجرن حيث ترك بعدها
ليبرد وانشغل الجميع بعدها بغسل عدة الشغل تحضيرا
لجولة دبس جديده ؛ نظرت الى الدبس
الذي لا يزال ساخنا وقد اعتراه رغوة صفراء فتناولت
ورقة سنديانة خضراء ومررتها على
الرغوة الشهية وتذوقتها... يا له من طعم لذيذ وقام
الجميع يشاركني في ذلك وهذا ما نسميه
(الرغي) والان هيا الى الطعام , ومثل العاده بطاطا
وبصل مشوي في المرمده ؛ وبعد ساعات
من الراحة برد الدبس واصبح معدا للنقل فملأه
المعصرجيي في تنكات مقفله معدة سلفا لهذه
الغاية فكانت النتيجة اربع تنكات كل واحدة تتسع
لخمسة ارطال ووضعت كل تنكتين في صندوق
خشبي (صحاره) وبعدها جاء دور النقل فاحضرنا الدابة
وجرى تحميلها وحزمت الصناديق
بالحبال الليفية بشكل متين وانطلقنا من المعصرة
عبر الدروب والمسالك الحرجيه الى الضيعه
المحامي
فيصل القنطار
يعتذر الموقع على تاخره في نشر الجزء الاخير من
ثلاثية "على المعصرة" للكاتب المحامي فيصل القنطار
وذلك بسب سلسلة من الارباكات لا علاقة للكاتب بها
الموقع