
المحامي فيصل القنطار
ذكريات معّاز
تناهى الى سمعه صوت جرس القطيع فتناول عصاه التي
اصبحت رجله الثالثه تعينه في المشي
وتوجه نحو الدكة تحت العريشه امام بيته القروي
العتيق , وكانت الشمس قد مالت الى الغروب
فجلس مستعينا بعصاه وقد امسكها بكلتا يديه والقى
عليها خده وسرح نظره الى الدروب الضيقة
في فم
الوادي وزاغت عيناه
وكادت تدمعان, وكرّ امامه شريط حياته التي قضاها
راعيا ومعازا وقد بلغ
اليوم من العمر عتيا, وغرق في ذكرياته
اخال نفسي انهض في الصباح الباكر حاملا زوادتي وقد
ربطتها في رأس العصا وتوجهت نحو
الصيرة قرب الساقية, لقد سمعت من بعيد ثغاء القطيع
الذي بدأ يضج طالبا الخروج الى المرعى
فتحت
الباب واذا بالكراز الابيض الكبير ذو القرنين
الطويلين يحاول الخروج ولكن قرناه كانا
يصطدمان
بحوافي الباب واذا به يورب رأسه حتى اصبح قرناه
واحدا الى اعلى والاخر الى اسفل
واستطاع الخروج فقلت: (كل راس وفيه حكمه) وخرج
الكراز الكبير مترأسا القطيع يسير معتدا
بنفسه وكلما حرك رأسه يرن الجرس المعلق في رقبته
وكأنها اشارات المسير , والويل لمن يحاول
من
الثنايا او العنزات تجاوزه فكان قرناه بالمرصاد ؛
وينطلق القطيع الى المرعى خلفه وينتشر بين
الوزال
والزعتر
واجباب السنديان , حتى اذا حان اوان الظهر هرعت
العنزات الى الساقية تشرب
ومن ثم تقيّل مجترة
ما قضمته اتناء النهار وكان يلذ لي عندها ان افتح
زوادتي والتهم محتواها.. وكم
كان انتاج الحليب وافرا تلك
الايام حين كانت العنزة الواحدة تحلب قرابة ملء
زكرة جلديه
كانت
ايام خير وبركه .. ايه ...ايام
ويوم سمعت الفحل وقد بدأ يهمدر ويضج في الصيرة
المجاوره ادركت ان عيد الصليب قد حل
ويجب ان
ارخيه بين العنزات للتوالد , وحين فعلت, اغارعلى
القطيع ولم يترك عنزة من شره وقد
ادى واجبه كاملا حتى
خارت قواه , وبعد اسبوع لم يعد يقوى على مرافقة
القطيع فتركته وحيدا في
الصيرة مع الجدايا ايه.. رزقالله
اذكر انه عندما حل اذار باكرا في احدى السنوات
بدأت رحلة العذاب وبدأت العنزات بالتوالد وكنت
احمل جداياها في
جرابي احيانا وعلى يدي وكنت احيانا اضطر لتركها
في الحرش عرضة للخطر
ويوم عدت بالقطيع مساء
واستعرضت العنزات امامي ام قرون, والصكا,
والقرعا, لم الحظ العنزه
الشاميه لقد تخلفت عن القطيع
وتفقدت الكلب ايضا فلم اجده , حاولت العودة الى
الحرش لكن الظلام
كان قد حل فعدت ادراجي , وفي صباح
اليوم التالي حين انطلق القطيع مجددا وجدت العنزة
الشاميه
قد وضعت جديين جميلين وكانا يرقدان بقربها وهي
ترعى وكان الكلب جاثما بقربها
يقوم بالحراسه
يا للوفاء .. كان مطيعا ووفيا .. ايه .. ايام
وصحا المعاز من ذكرياته وكان اليل قد ارخى سدوله
فاستعان بعصاه وجر نفسه الى الباب ومن ثم
الى الفراش ليتابع ذكرياته بمنامات الليل