|
الياس زيتون: آخر كندرجية زحلة

لا يستخدم الياس زيتون نظارات طبيّة رغم تقدمه في
العمر (الأخبار)
ذاع صيته في منتصف ستينيات القرن الماضي وحافظ على هذا
الصيت. إنه الياس زيتون، من أشهر الذين أتقنوا كار
«الكندرجيّة» في مدينة زحلة وجوارها. في الجعبة ذكريات
عن الحرفة وعن شقيقه ورفيق دربه بشارة
نقولا أبورجيلي
محاطاً بصور القديسين والأيقونات الدينية، يجلس إلياس
زيتون داخل محله في حي حوش الزراعنة في زحلة، على كرسي
خشبي لم يبارحه يوماً، سوى في المناسبات والعطل
الأسبوعية والأعياد الدينيّة والرسمية. وحدها الظروف
القاهرة والتوترات الأمنيّة التي شهدتها مدينته في
حقبات سابقة، حالت دون وصوله الى مصدر رزقه الوحيد.
لم تفلح محاولات رفيقة عمره أم سامي في ثنيه عن سرد ما
بجعبته من قصص ترافقت مع صنعة ورثها عن والده قبل نحو
60 عاماً. اشتهر الرجل الثمانيني بكار «الكندرجيّة» في
زحلة لجودة ما يخرج من بين يديه من أحذية رجاليه
ونسائيّة. «ما بتهتري بالهيّن، بشهادة زبائني من كبار
السن». يقول زيتون ويضيف ضاحكاً: «بكل تواضع بيت زيتون
مشهورون في زحلة وفي كل المنطقة». ثقة أبو سامي بنفسه
تنبع من خبرته الطويلة في صناعة الأحذية وتصليحها. كان
ينتج وأخاه الراحل بشارة نحو 30 «صباط» و20 «سكربينه»
أسبوعياً، ويصف تلك المرحلة بـ«الفترة الذهبيّة»،
مستذكراً يوم زفافه، حين ترك محله على عجل قبل 3 ساعات
من موعد عقد قرانه على زوجته سميرة الحايك، لارتداء
ملابسه ليصل الى الكنيسة في الساعة السابعة مساءً، وهو
الوقت المحدد لإجراء مراسم الزواج «الإكليل».
انهماك أبو سامي في يوم فرحه كان بسبب حضور أشخاص من
بلدة الفرزل الى محله في ذلك اليوم، بغرض أخذ قياسات
لزبائن من عائلة واحدة، الحّوا عليه آنذاك ليصنّع لهم
25 «صباط» و«سكربينة» دفعة واحدة خلال بضعة أيام، وذلك
قبل أسبوع من مناسبة زفاف كانوا يستعدّون لإقامتها.
ولم يغب عن بال زيتون ما حصل معه قبل نحو 8 سنوات، حين
دخلت الى محله سيدة متوسطة العمر، بصحبة ولدها الذي
كان يعاني إعاقة في رجليه، وبعد الاتفاق على سعر حذاء
طبي بمواصفات محددة، نحَت بولدها جانباً، لتهمس في
أذنه كلمات وصلت الى مسامع أبو سامي: «من يضمن أن يعيش
هذا الختيار طويلاً، هيك هيك جينا، شو رأيك نوصي على
بوط تاني؟». «وهذا ما حصل بالفعل» يقول زيتون، متابعاً
سرد رواية مماثلة لا تخلو من الفكاهة: «حضر الى محلي
رجل من الكرك معاتباً: ولو يا معلم الياس ليش غشيتني
بالصباط؟ ما ضاين عندي أكثر من 8 سنوات، بالعادة
الصباط اللي بشتريه من عندك كان يهدّي أكثر من 12
سنة».
صيت زيتون لم يقتصر على منطقة زحلة، دفتره لا يزال
يحتوي على قياسات لأقدام المئات من زبائنه، الذين كان
عدد كبير منهم قد هاجر الى بلاد الاغتراب. لافتاً الى
أن يعض هؤلاء كان يطلب من أقاربه في لبنان، إرسال ما
يحتاج له من أحذية الى البلد الذي استقر فيه. «الشرط
أن تكون مصنّعة في محلنا مهما بلغ ثمنها» يقول زيتون،
متابعاً بصوت خافت «ما بقي من العمر أكثر مما مضى،
توقفت عن صناعة الأحذية قبل 3 سنوات واكتفيت بأعمال
التصليح، على أثر عملية جراحيّة أجريت لي بسبب فتاق في
البطن، ليحذرني الطبيب بعدها، من عدم بذل أي جهد،
تداركاً لحصول الأسوأ». لا يستخدم زيتون نظارات طبيّة
أثناء عمله، «خضعت لعملية في العينين سُحبت خلالها
مياه زرقاء القرنيتين، وما في شي بيرجع متل ما كان»
يوضح أبو سامي. «كنت وشقيقي بشاره مثالاً يحتذى في
التعاون والمحبة، ولم يفرق بيننا إلا الموت»، عبارة
رددها زيتون بمرارة مستعيداً الذكريات مع من وصفه
بـ«جناحيه» قاصداً الراحل بشارة، الذي يعدّه رفيق
العمر والأخ والصديق والشريك. «لم يحدث أن حصل بيننا
خلاف في يوم من الأيام» يقولها متحسراً على فقدانه.
انتقل الشابان مع والديهما من مسقط رأسهما راشيا
الفخار الى مدينة زحلة في منتصف عشرينيات القرن
الماضي، إبان الثورة السورية الكبرى على الاستعمار
الفرنسي.
هنا يعتذر زيتون عن متابعة الحديث ريثما ينتهي من
تلبية طلب زبون دخل المحل لتركيب «نص نعل»، لتسارع أم
سامي عندها إلى الطلب منه ارتداء «الشطيح»، وهي قطعة
مصنوعة من الجلد، خيطت على شكل «مريول»، تربط من
الأعلى خلف الرقبة، ومن الأسفل وسط الظهر عند
الخاصرتين، يضعها أصحاب هذه المهنة عادة بغرض الحفاظ
على نظافة الثياب الخارجية. رغبة أم سامي لم تلق
تجاوباً من المعلم الياس، الذي تذمّر رافضاً استجابة
طلب جليسته طيلة أوقات دوام العمل، ليمتثل أخيراً
بامتعاض راسماً على صدره علامة الصليب، ومتمتماً
بكلمات «الله يطوّلك يا روح»، لينتهي به الأمر على
كرسيه ويبدأ بتصليح حذاء الزبون.
رداً على سؤال عما تغير في الأسعار بين الأمس واليوم؟
يجيب زيتون «لا يحتاج الأمر الى حسابات، كل حقبة تشهد
متغيرات على صعيد صرف العملات، كنا نزيد صفراً على
الأرقام، من ليرة، الى 10، الى 100، ثم الى 1000،
وهكذا دواليك وصولاً الى 10000 آلاف ليرة، وهو المبلغ
الذي أتقاضاه حالياً لقاء تركيب نص نعل أو كعبية صباط،
على سبيل المثال لا الحصر».
«النقاشات السياسية ممنوعة في باب الرزق» تقول أم
سامي، اتخذت هذا القرار لتلزم به زوجها وأصدقاءه من
الذين يحضرون يومياً الى المحل لكسر الوقت مع ابن حيهم
الياس. الأخير لم تدخل الأحزاب في قاموسه يوماً، علماً
أنه كما أشار، يشارك في النقاشات السياسية من دون
الانحياز الى أي من الأحزاب والتيارات السياسية
العقائديّة والتقليدية، واصفاً إياها بـ«البالونات
الهوائية، لا تلبث أن تنتفخ، لتعود وتثقب، ثم تفرغ من
محتواها»، وهي بحسب رأيه «لا تسمن ولا تغني من جوع».
يحنّ زيتون لولده وابنته اللذين هاجرا الى الإكوادور
سعياً لكسب الرزق. لحق الأول بشقيقته الى هناك، بعدما
فقدت زوجها الذي أنجبت منه 3 أولاد ترعاهم بمساعدة
خالهم.
تعود الذاكرة بالإسكافي الى أيام الشباب، حين كان
الكمان والعود رفيقيه الدائمين في الأفراح والسهرات
العائليّة، وهو الذي يجيد العزف عليهما، فضلاً عن
إلمامه بنظم القصائد الشعريّة، التي لا تزال ذاكرته
تخزن مئات الأبيات منها.
لكن الرجل يفضل أن يردد سطرين من قصيدة لابن دسكرته
الشاعر ميشال طراد، دوّنهما على ورقة وألصقها على لوح
خشبي مثبت على الحائط فوق رأسه تماماً. تقول القصيدة:
«هالدني ورشة/ وترابها كمشي/ في ناس صاروا تراب/ وفي
تراب عم يمشي».
«دشلي وراصبا»
يحتاج الياس زيتون في مهنته الى أدوات متواضعة، من
بينها: سندان، شاكوش لطرق المسامير، «دشلي» (تسمية
مشتقة من أصل تركي معناها الكماشة)، «راصبا» المبرد
الذي استبدل حديثاً بآلة جلخ كهربائية، بيكار، سكينة،
مقص، مازورة للقياس، مغناطيس لالتقاط المسامير، مواد
لاصقة، صباغ للجلود، وقوالب خشبيه لشدّ جلود الأحذية
|