|
"النهار": الجمعة 19 شباط 2010
البيوت التراثية تنهار وقانون حمايتها ينام في "مقبرة"
اللجان
مجلس الوزراء ناقش الموضوع وكلّف فرعون بملاحقته في البرلمان


امام الهجمة
العمرانية التي تجتاح لبنان عموما،
وبيروت خصوصا، بشكل
عشوائي ومن دون اي تنظيم او معايير تحفظ "ذاكرة الانسان والوطن"
بكل ما تحويه هذه العبارة من معان اجتماعية وانسانية ووطنية، ومن دون
التفاتة الى
ضرورة الحفاظ على شواهد من حقبات الحضارات والشعوب التي تعاقبت على هذا
البلد
واعطته هذه الفرادة والميزة، ولأنه لا يجوز للاسمنت والزجاج ان يقضيا
على الحجر
والشجر والقرميد، ولانه من غير المقبول ان يغير سلطان المال والاعمال
النسيج
العمراني والاجتماعي للاحياء الاريستوقراطية والشعبية على حد سواء
وينشر الفوضى في
المدن والبلدات والقرى، علت الصرخة من اهل التراث والثقافة ومن الاعلام
وبعض
الرسميين للمطالبة بوضع قانون يحمي الارث العمراني ويحفظ ما تبقى منه
قبل ان يمحى
ويزول معه واحد من اجمل المشاهد المدينية والجمالية. ولكن على من تقرأ
مزاميرك يا
داوود؟
الحاضر
المغيّب
منذ انشائها
عام 1993
يحاول
وزراء الثقافة المتعاقبون،
الذين انيطت
المباني التراثية بمهماتهم، جعل
الدولة، حكومة ومجلسا
نيابيا، يقران مشروع قانون
لحماية المباني والمواقع التراثية،
ولكن عبثا! القانون حاضر منذ اعوام لكنه ينام في ادراج مجلس النواب
ومقابر لجانه.
لكن
يبدو ان بعض "الحلحلة " حصلت حيث درست لجنة الاشغال العامة والنقل
والطاقة
والمياه النيابية في الجلسة التي عقدتها بتاريخ 12/1/2010 (اي منذ نحو
شهر ونصف
شهر) برئاسة النائب محمد قباني بنود "قانون حماية المباني والمواقع
التراثية" الذي
وضعه وزير الثقافة في حينه
الدكتور طارق
متري
ووافق عليه مجلس الوزراء في
28/7/2007.
والسؤال
الكبير: كم سيتطلب اقرار القانون في مجلس النواب بعد مضي سنتين
ونصف
سنة على اقراره في مجلس الوزراء، واكثر من ثماني سنوات من المداولات
والتعديلات، ومروره على ثلاث وزراء قبل ان يرى النور؟ هل ستطول المدة
الى حين تتهدم
كل
المباني التراثية ولا يبقى منها سوى الاطلال؟
جنبلاط وشهيب
ربما هذه
الخشية التي
يتقاسمها جميع الحريصين على التراث هي التي دفعت النائب وليد جنبلاط
الى اطلاق
صرخته الشهيرة عبر "النهار" في 24/6/2009 حيث اعتبر ان "حيتان الاسهم
والمال والجهل
مصرة على مصادرة تراث
بيروت ومستمرة في نهجها التدميري لتاريخ المدينة، واتفقت
عليها لتبتلعها (...)".
وفي مقاله الاسبوعي اكد جنبلاط ان "المطالبة بحماية التراث
ليست
انتقاصاً من خطوات التطور العمراني والتوسع السكاني الطبيعي، ولكنها
دعوة
صريحة
لعدم محو الذاكرة الاجتماعية والسكانية والعمرانية، ولعدم هدم مرتكزات
النسيج
الوطني والانساني في الكثير من المواقع وعلى أكثر من مستوى وصعيد".
واشار الى انه "رغم
أهمية الحفاظ على الابنية التراثية في حد ذاتها، وهو ما لا يحصل
حالياً، إلا
أن الأهم هو الحفاظ على الاحياء التراثية وتطوير خدماتها وبناها
التحتية لأن في ذلك
حماية للنسيج الاجتماعي الذي تشكله تلك الاحياء كوحدة متكاملة من
النواحي العمرانية
والسكانية. إن عدم الاهتمام بالتنوع الاجتماعي والسكاني وحتى الطائفي
لبعض الاحياء
القديمة يدل على عدم وجود الحد الادنى من الوعي لهذا الاختلاط ومعانيه
العميقة على
المستويات الوطنية والسياسية والاجتماعية، تماماً كما أن عدم الاهتمام
بالحفاظ على
الثروة التراثية هو دليل تخلف ورجعية تحت مسميات الحضارة والتقدم
العمراني والابنية
الحديثة (...)".
وهذا ما حدا ايضًا وزير المهجرين اكرم شهيب الى طلب ادراج
الموضوع في جدول اعمال مجلس الوزراء وطرحه على الطاولة امس لحث "
الحكومة على
القيام بواجباتها لحماية التراث في كل لبنان قبل ان تمحوه جرافات الهدم
تحت شعار
الاعمار والبناء، والافادة من القيمة المضافة التي يشكلها وجود وزيرين
حاليين في
الحكومة كانا وزيري ثقافة وسبق ان عملا على قانون حماية التراث
الموجود، اضافة الى
امكانات وقدرات
وزير الثقافة الحالي سليم وردة،
من اجل متابعة الموضوع لدى مجلس
النواب والدفع في اتجاه
اقراره ". وبالفعل كلف مجلس الوزراء وزير الدولة لشؤون مجلس
النواب
ميشال فرعون بملاحقة الموضوع مع اللجان النيابية الخمس المعنية لمتابعته
ومناقشته
والاتفاق مع رئيس مجلس النواب لإدراجه واقراره
في اقرب جلسة لجان
مشتركة.
تجربة بيروت

محاولات عدة
حصلت لحماية
المباني التراثية والمحافظة عليها في بيروت على الاقل، بطريقة شبه
رسمية، قبل ان
يبصر مشروع القانون الحالي النور. واولها في كتاب وجهه الوزير ميشال
اده الى محافظ
مدينة بيروت المهندس نقولا سابا بتاريخ 3/7/1996 جمد بموجبه هدم 1016
مبنى في محيط
وسط بيروت، اثر دراسة قام بها فريق من "الابساد" تألف من المهندسين عبد
الحليم جبر
وفضل الله داغر وحبيب دبس
وهناء علم الدين ووسام جبر.
وفي 17/6/1997 اجرى
الفريق ذاته دراسة جديدة
حددت "اربع مناطق تتميز بمجموعات ابنية تراثية متجانسة ضمن
نسيج
مدني متماسك يجعلها ذات قيمة معمارية تاريخية على نطاق المجموعة، تتعدى
القيمة
الفردية للمباني". واوصت الدراسة بحماية 485 مبنى من اصل 1016، اضيف
اليها 35 مبنى
لاستكمال الاحياء بشكل منطقي، مما رفع العدد الى 520 عقارا (تشكل 2,5%
فقط من عدد
الابنية في محافظة بيروت) موزعة على المناطق الاربع الاتية:
1 -
عين المريسة
-
ميناء الحصن- القنطاري –
سبيرز - الظريف.
2 -
زقاق البلاط – الباشورة - البسطة
التحتا.
3 –
الاشرفية – اليسوعية - عبد الوهاب
الانكليزي - فرن الحايك - مار
نقولا (جنوبا).
4 -
مار مارون – الجميزة - مار نقولا ( سرسق).
واوصت الدراسة
بمنع الهدم وتجميد
التخطيطات غير المنفذة ووضع المناطق الاربع تحت الدرس لانجاز
الدراسات التفصيلية والتنظيمية والقانونية والاجتماعية - الاقتصادية
على نطاق كل حي
بغية تحديد آلية الحماية وشروطها والحفاظ على الحقوق العامة والخاصة.
لكن بعد
اربعة اشهر، وعوضا عن
المضي في عملية الحماية، اخرج التنظيم المدني، رغم معارضة
الفريق الاستشاري المعماري الذي انجز الدراسة الاولية، دفعة جديدة من
العقارات بلغ
عددها 78 عقارا، مما خفض عدد المباني المجمد هدمها الى 469 مبنى، ووجه
وزير الثقافة
في حينه فوزي حبيش كتابا الى محافظ بيروت نقولا سابا بهذا الخصوص
بتاريخ 3/12/1997.
ثم
عاد المجلس الاعلى للتنظيم المدني واقر وضع المناطق الاربع المذكورة
تحت الدرس
لمدة
سنة على ان تعمل المديرية العامة للتنظيم المدني خلالها على انجاز
الدراسات
التنظيمية والعمرانية لتلك المناطق.

مرة اخرى قرر مجلس الوزراء في 5/2/1998
بموجب
القرار 22 تكليف مجلس الانماء والاعمار درس المباني ذات الطابع التراثي
الواردة في اللائحة الاخيرة. وبعد شهرين، كلف مجلس الانماء والاعمار
"الاستشاري
خطيب وعلمي" القيام باعداد دراسة عن المباني التراثية التي لم تكن قد
حذفت حتى
تاريخه من لائحة الابنية المجمد هدمها وبلغت 459 عقارا.
وفي تموز 1998 قدم
الاستشاري تقريره وصنف
المباني التراثية في فئات خمس، نسف مبدأ المجموعات التراثية
واعاد
التصنيف الى مبدأ المباني المنفردة الذي لا يتناسب مع اصول التنظيم
المدني
الحديث. وتتوزع كالآتي:
-
الفئة
(A):
تشمل المباني
المرتبطة بأحداث تاريخية او
بسيرة اشخاص تاريخيين، او
تتمتع بعناصر معمارية مميزة وبقيم فنية عالية. وتكون هذه
المباني عموماً بحال جيدة ومبنية على عقارات كبيرة وتتطلب الحد الادنى
من اعمال
الترميم.
-
الفئة
(B):
تشمل المباني
غير المرتبطة بأحداث تاريخية لكنها تتمتع
بقيمة معمارية مرتفعة
وتعكس فترة زمنية او طريقة بناء معينة.
-
الفئة
(C):
تشمل
المباني المشابهة للفئة السابقة لكن لحقت بها اضرار كبيرة، اما بسبب
الحرب او لعدم
تأمين
صيانتها او اضيفت اليها اقسام شوهت شكلها.
-
الفئة
(D):
تشمل المباني
التي
لا تتمتع بقيمة معمارية عالية لكنها تتضمن بعض الميزات التي تربطها
بفترة زمنية
وبطريقة بناء او مدرسة معمارية معينة.
-
الفئة
(E):
تشمل المباني
التي لا تتمتع
بقيمة تاريخية او معمارية.
وفي 31/7/1998 اي بعد سنة، رفع رئيس مجلس الانماء
والاعمار نبيل الجسر كتاباً يحمل رقم 2375/1 الى وزير الثقافة ضمنه رأي
المجلس "اعتبار
المباني في المجموعتين الاخيرتين ومجموعها 250 مبنى لا تتسم بالطابع
التراثي وبالتالي يمكن تحريرها واعتبار المباني في المجموعات الثلاث
الاول وعددها 209
فقط من المباني التراثية التي يتوجب المحافظة عليها".
وفي 3/3/1999 اصدر
مجلس
الوزراء برئاسة الدكتور سليم الحص القرار رقم 32 كلف بموجبه وزير
الثقافة محمد
يوسف
بيضون اعادة درس الابنية ذات الطابع التراثي في الفئات
A,B,C
وتأليف لجنة
لهذه
الغاية تضم مهندسين واختصاصيين لعرض الموضوع مجددا على مجلس الوزراء".
وتألفت
بالفعل من الدكتور حسان سركيس واسعد سيف وجان- مارك بونفيس ونشأت عويضة
وسامي نصري
وسمير شامي، ورفعت تقريرها في تشرين الاول 1999 الذي اوصى" بعدم تحرير
اي عقار
واعادة النظر في مباني المجموعتين
E,D
لما تتضمنه من مبان تحفظ
وحدة الاحياء
التراثية ووضعها تحت الدرس لخطورة ازالة اشارة منع الهدم قبل انجاز
دراسة مدينية
شاملة والبت في مشاريع القوانين المتعلقة بحماية التراث". لكن الوزير
بيضون تحفظ عن
توصيات التقرير، وصدرت عشرات القرارات بتحرير عقارات بناء على طلب
اصحابها.
ولولا الحملات الاعلامية التي قامت بها "النهار" لسقط العديد مما
تبقى، ولعل
اشهرها: المبنى الاصفر في
السوديكو والبيت الزهري على المنارة والمنزل الذي سكنه
الرئيس تقي الدين الصلح في القنطاري وغيرها. مع الاشارة الى هدم وزوال
العشرات من
البيوت والقصور من دون اذن حتى بحيث لم يبق منها سوى القليل، واندثرت
تقريبا فكرة
المجموعات التراثية التي خردقتها المباني الحديثة العملاقة التي نسفت
مقولة النسيج
العمراني – الاجتماعي.
ثلاثة بواحد
اهتم وزراء
الثقافة
اللاحقون بقضية المحافظة على المباني التراثية لادراكهم طبيعة النزاع
الحاد بين
حماية التراث والبناء على انقاض البيوت التراثية الذي تستفيد منه فئة
محددة.
وحاولوا وضع قانون حديث يلائم بين ضرورة حماية البيوت التراثية للحفاظ
على الذاكرة
والطابع التاريخي للاحياء والمدن من جهة، وبين الصعوبات المعيشية التي
يعانيها
المالكون القدامى من جهة ثانية.
وبعد "قانون التراث الثقافي الوطني" الذي طرحه
الوزير السابق المرحوم امين البزري عام 1999، رفع الوزراء غسان سلامة
في تموز 2001،
وغازي العريضي في تشرين الثاني 2003، وطارق متري في تموز 2007 ثلاثة
مشاريع قوانين
تكمل بعضها البعض، ووافق مجلس الوزراء في 28/7/2007 على الاخير تحت
عنوان "قانون
حماية المباني والمواقع التراثية" الذي يطرح آلية للحماية، ويلحظ
اعفاءات وتعويضات
مادية تشجع المالكين على الحفاظ على عقاراتهم وترميم المباني ضمن
معايير محددة،
ويضع عقوبات وغرامات على كل من يخالف الاحكام المنصوص عليها، ويبين
طريقة تمويل "صندوق
التقديمات" الذي يتغذى من المبالغ الواردة من اضافة نسبة 2% على رسوم
الترخيص والبناء، ووضع قائمة "التحديد المؤقت للعقارات التراثية
المحمية" وقائمة "العقارات
التراثية المحمية".
اشارة الى ان البيان الوزاري لحكومة " الارادة
الوطنية الجامعة" عدد من بين "حاجات وزارة الثقافة للقيام بالمهمات
الملقاة على
عاتقها اقرار قانون حماية البيوت التراثية"، فأين الوعد؟ وهل ننتظر الى
حين يندثر
القليل الباقي، ولا يبقى من الذاكرة ما يذكرنا بمدننا الجميلة التي
تزاوج بفرادة
اساليب عمارة متعددة وتحضن نسيجاً وطنياً واجتماعياً مميزاً؟ هل اصبحت
حماية التراث
مسألة فيها نظر؟

مي عبود ابي عقل
ص 13 |