Home Page
         
E-cards Discussion Carte Statistiques Contact  
DIVERS


       
                                                                                                                                               

 

 

"الأنوار": الخميس 8 تشرين الأول 2007

قراءة في كتاب (الهجرة من متصرفية جبل لبنان 1861 - 1918)
 

 د. الياس القطار
 المؤلف: د. عبدالله الملاح، (الهجرة من متصرفية جبل لبنان 1861 - 1918)، بيروت .2007 الهجرة، حالة بارزة في تاريخ لبنان منذ أواسط القرن التاسع عشر، انتشر فيها مئات اللبنانيين في أقطار الارض، بداية في القارة الاميركية، بحيث أن عدد المتحدّرين من اصل لبناني يزيد أضعاف أضعاف المقيمين في لبنان. وهذه الحالة أضحت نزفا بشريا مفجعا منذ اندلاع الفتنة الدامية والحروب على ارض لبنان منذ سنة .1975 هذه الحالة - الظاهرة تولّدت نتيجة أسباب متعدّدة، يأتي في طليعتها تردي الأوضاع الاقتصادية - الاجتماعية والأوضاع السياسية وتزايد النمو السكاني والصراعات العرقية والدينية. وتتولّد من هذه الظاهرة ثنائية مزدوجة سلبية وايجابية: من جهة تشكل نزفا بشريا وهجرة للأدمغة، ومن جهة أخرى، في البداية، مورداً اقتصادياً للمقيمين، والأدلة على ذلك كثيرة في تاريخ لبنان. فحتى الآن حارات القرميد التراثية بقناطرها الجميلة في القرى اللبنانية هي من خيرات الهجرة. عرف لبنان الهجرة منذ العصور القديمة وخصوصاً زمن الفينيقيين، وقيل ان الهجرة سمة من شخصية اللبناني المحبّ للمغامرة ومعاركة البحار والناشد للحرية. قد يكون هذا الكلام صحيحاً في جزء قليل منه، لكن الحقيقة في ان السبب الرئيس لهذه الظاهرة هو العوز على أنواعه. لم تحظ الهجرة في السابق بدراسات علمية أكاديمية احصائية، بل كانت موضوعاً جميلاً شيقاً في الادب والشعر الفصيح والعامي. ومن طلائع الأكاديميين الذين انكبوا على هذه الظاهرة الدكتور عبدالله الملاح، الاستاذ في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية، المتخصص بعهد المتصرفية وله فيها كتب وأبحاث علمية دقيقة وقيّمة منشورة. وقد انصب على دراسة الهجرة باحثاً وموجّهاً ومشرفاً على رسائل وأطاريح العديد من طلاب الدراسات العليا. وهذا ما سمح له بالاطلاع على مصادر البحث بدقة، ولا سيما الجديد منها، فكان كتابه الجديد المتميّز بدراسة علمية اكاديمية احصائية معبّرة بجداولها ورسومها البيانية: الهجرة من متصرفية جبل لبنان (1861 - 1918).

ينطلق الدكتور عبدالله الملاح في بحثه عن الهجرة من محفوظات متعددة، في طليعتها محفوظات البطريركية المارونية، ومن الاحصاء الذي أنجزته حكومة المتصرفية ومن صحف الاغتراب ولبنان. ويرى لها أسباباً بعيدة ومباشرة كثيرة لا داعي الى تفصيلها هنا.
تجمع المصادر والمراجع على أنّ انطونيوس البشعلاني هو أول مهاجر لبناني معروف وطأ ارض اميركا في مدينة بوسطن في العام .1854 ثم تلا ذلك بدءاً بالعام 1861 هجرة كبيرة لا جداول احصائية دينية ورسمية لها في لبنان. وفي المغترب لم يكن من تمييز بين المهاجرين من سوريا ومن متصرفية الجبل، فكان المهاجرون يدرجون في خانة الاتراك (تركو). ويحاول الباحث ان يستنتج جدولاً للمهاجرين اللبنانيين والسوريين من 1887 الى 1901 فيرى، مثلا، ان الهجرة الى الولايات المتحدة قفزت من 2220 في عام 1890 الى 4064 في عام 1901، وفي الارجنتين من 19 في 1887 الى 7197 في 1896 الى 2195 في .1901 وفي عام 1893 دخل البرازيل .7241 وقد أقلقت هذه الحركة التي كانت تتخذ من مرفأ بيروت محطة لها السلطنة. فعملت حكومة نعوم باشا، متصرف جبل لبنان، في العام 1896 من دون جدوى، على ما يبدو، على منعها. وسعى مظفر باشا (1902 - 1907) لإيجاد فرص عمل بديلة واتصل بالبطريرك الماروني الياس الحويك للمساهمة في الحدّ منها. ومع انتشار الصحف في لبنان والمهجر قامت حملة لإبراز المعاناة من الهجرة وكل ذلك لم يوقف الاندفاع باتجاهها. فكانت الطرق غير الشرعية المتنفس للحالمين بترك لبنان عبر رشوة موظفي الدولة العثمانية، او بالمراكب الشراعية باتجاه البواخر المنتظرة في عرض البحر. وكان الانتقال من بيروت الى الاسكندرية فمرسيليا ومنها الى اميركا حيث ان الرحلة بين مرسيليا والبرازيل تستغرق 22 يوماً.
كان على المهاجر تأمين بدل بطاقة السفر (الناولون) وتبديل هندامه الشرقي بآخر غربي (طقم فرنجي وكاسكيت ولستيك) لتجنّب الإهانة والازدراء، وتتم عملية ابتياعها من حوانيت الثياب المستعملة في بيروت أو من الاسكندرية قبل الوصول الى مرسيليا، ويحمل معه زوادة من الأطعمة كالخبز المرقوق والكشك والجبن والزبيب. كانت غالبية المهاجرين في مرحلة 1861 - 1901 من المسيحيين، عمل معظمهم تجارة الكشّة، أي صندوق أو رزمة فيها ألبسة ومسابح وصلبان وذخائر مسيحية، تحمل على الظهر ويسير فيها حاملها عشرات الكيلومترات. ونظراً لكونهم مسيحيين اندمجوا، برغم عدم معرفتهم بلغة البلاد، بالمجتمعات الجديدة وتكنّوا بأسماء غربيّة.
ومنذ عهد المتصرف في جبل لبنان، مظفر باشا، بدأت الإجراءات وفرض قيود إدارية لتنظيم الهجرة، فطلب المتصرف مؤازرة البطريرك الماروني لمساعدته بذلك تجاه الحكومة العثمانية ووضع مسألة الهجرة بيد سلطة المتصرفية لا والي بيروت لحماية المهاجرين.
حاولت حكومة المتصرفية الاستفادة من الهجرة باستحداث ضرائب عليها، لكن الإفادة الكبرى المادية كانت للبنانيين بحيث تغيّر نمط الحياة وشيدت الحارات وتبدّلت عادات الأكل والملابس، وبالمقابل زاد ذلك من إفراغ البلد من بنيه بحيث كان معدل المهاجرين الى الولايات المتحدة الاميركية 5000 كل سنة بين 1902 و.1906 وفي شهر واحد وصل 2800 مهاجر في عام 1909 الى بيونس ايرس. وهذا ما قاد سليمان البستاني الاديب والشاعر وعضو (مجلس المبعوثان) الى الإستنتاج ان عدد المهاجرين في نهاية القرن التاسع عشر ثلاثمائة ألف، بحيث كادوا يساوون عدد السكان الباقين في البلاد. وكان للدعاية الصحافية دور في هذا التنشيط مع تلبّد الاجواء السياسية في البلد. فكانت المقالات الصحفية تدعوهم قائلة: (هاجروا هاجروا الى ما وراء البحار...) ففيها تجمعون (الذهب بالمجرفة).
أعار (العاملون في القضية اللبنانية) موضوع الهجرة اهتمامهم، فطالب المطران بطرس شبلي من فرنسا التدخل لمنع هذه الآفة التي تجرف القوى الحيّة في البلاد. وطرحت منذ ذلك الزمن مسألة حقّ الاقتراع للمهاجرين، فأعطاهم مجلس ادارة الجبل الحق بالمشاركة في كلّ العمليات الانتخابية، فينتخب المغترب حين حضوره الى لبنان وينتخب وهو في المهجر. وأطلق المتصرف فكرة إنشاء (قلم للمهاجرة) ووضع مشروع لتنظيم الهجرة في عهد اوهانس باشا في .1914
وفي دراسة للجالية العربية في الارجنتين سنة 1913 يتبين بالنسبة للمهن الآتي: 20% يعملون فعلة و15% باعة و3% حرفيون و6% تجار. وبالنسبة لأعمار المهاجرين من متصرفية الجبل بين عامي 1895 و1914: 18% دون 14 سنة و76 بين 14 و45 سنة و5% فوق 45 سنة. وقد التحقت المرأة، المسيحية فقط على ما يبدو، بقوافل الهجرة وكثر عدد الاولاد كما رأينا أعلاه.
ومن الامور التي يتميز بها الكتاب دخوله الى احصاءات وأرقام المهاجرة والسكان بالتفصيل، مستنداً، بالنسبة للقرى المسيحية - المارونية، الى التقارير السنوية التي كان يضعها الاساقفة عن أبرشياتهم في الاقضية والنواحي والقرى والدساكر والمزارع في بلاد البترون وجبيل والجبة والمتن وغيرها.
ويدرس د. عبدالله الملاح المصاعب التي كانت تقف بوجه المهاجرين: اللغة والدين والنظرة من المجتمعات الغربية والمنحى السياسي والمعاناة على أنواعها.
ولا يكتفي الكتاب بالاحصائيات بل يدرس واقع المهاجرين المغتربين السياسي، وخصوصاً الامور التي كانت تؤرق المقيمين من مسائل التمثيل السياسي في مجلس المبعوثين واختيار
علم يرمز للبنان ومسألة خلق مرفأ للمتصرفية في
جونية والسعي في سبيل الاستقلال ومسألة الاستقلال والخيارات المستقبلية مع القوى العظمى والانتداب وما بعد الحرب الاولى وإنشاء عيد وطني والموقف من الملك فيصل وما الى غير ذلك من مواضيع كانت مطروحة... وكانت التيارات الاغترابية في هذا المضمار: التيار السوري والعربي والتيار اللبناني.
ونعطي نموذجاً احصائياً مما يرد في الكتاب عن خمس قرى في قضاء جزين بين 1913 - 1914

ص.19

 


 

 
 

Espace Économique - Espace Municipalité - Espace Culture - Espace Historique
Contact - Statistiques - Carte - Discussion - E-Cards
  free web site counter

   Designed and Developed by Webserv

                                                                                            Created by C & C Najjar