البلدة
مصنَّفة «ذات
صالح أثري» والإسرائيليون دمروا ساحتها في العام 1982
أبناء
المتَيْن
يستعيدون مكانتها التاريخية والسياحية بجهودهم الخاصة
من قصور
الساحة
واجهة
قصر
لمعي
المتَيْن ـ أنور عقل
ضـو
لم تكن «ساحة الميدان» الأثرية في بلدة المتين (أعالي المتن الشمالي)
بمنأى
عن قصف المقاتلات الاسرائيلية في صيف 1982، التي صوبت باتجاه قصور
ومعالم تاريخية
ترقى إلى نحو ثلاثمئة عام على أنها «أهداف» عسكرية. وما لم تقو عليه
قذائف «حرب
السنتين 1975ـ1976»، تكفل به الطيران الاسرائيلي فهدم ما أمكن من
المعالم الرائعة
للساحة.
غير أن ابناء المتيْن أبدوا الحرص على استعادة «ساحتهم» وهي تضاهي
بجمالها ما هو قائم في دول أوروبية، لا سيما أن الابـنية مستوحاة من فن
البناء
اللبناني المعقود، فضلاً عن أبنية تنتمي إلى الهندسة الأوروبية القديمة
المعروفة
بالـ
Romanesque
مع مسحة شرقية، تؤكد مدى مهارة البـنائين في تلك الحقبة وقدرتهم
على المزاوجة بين فن العمارة في الشرق والغرب.
تجدر الاشارة إلى أنه في العام
1949
تم تسجيل «ساحة الميدان» وقصورها التاريخية على لائحة الجرد العام
للأبنية
التاريخية والأثرية في لبنان، وعام 1959 تم إدراج برج المسيلكة ومنطقة
الجبانات
الرومانية البيزنطية على اللائحة عينها، وصدر في العام 1975 ـ غداة
الحرب الأهلية ـ
مرسوم باعتبار بلدة المتين منطقة ذات صالح أثري.
«تعود
جذور بلدة المتين وهي
تعني (المتن الأصغر) إلى القرون الأولى بعد الميلاد»، يقول اميل سليمان
أحد
المهتمين بتاريخ البلدة، ويؤكد أن «ذلك ما تشير إليه بقايا النواويس
الرومانية
والبيزنطية المحفورة في الجروف الصخرية المحيطة بها».
ويرى سليمان «أن تاريخ
البلدة الحديث لا يتضح بشكل مؤكد إلا خلال القرنين السادس عشر والسابع
عشر، عندما
انتصر اللمعيون في معركة عين دارة عام 1711، فقام أمير جبل لبنان آنذاك
حيدر
الشهابي برفعهم إلى مرتبة الأمراء، ووسع نفوذهم في مقاطعة المتن، وشهدت
المتين
ازدهارها في ظل حكمهم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
إعادة تأهيل الساحة
وما يثير الانتباه، أن ساحة الميدان بدأت تستعيد بعضاً من معالمها
التاريخية،
في سياق مشروع ثقافي وسياحي يهدف إلى استعادة موقع البلدة على الخارطة
السياحية في
لبنان. وكان قد سبقه قبل نحو ثلاث سنوات تحرك لأهالي وفاعليات البلدة
الذين تصدوا
لعمليات التشويه التي طاولت بعض القصور والأبنية لجهة إضافة طبقات من
الاسمنت
عليها.
يشير الياس أبو رزق إلى «أن أهالي المتين بدأوا بتخطي التشويه اللاحق
بساحة البلدة التي تعد من أجمل الساحات التاريخية في لبنان وتفوق
بجمالها ساحة بيت
الدين»، وأكد أن «معالمنا التراثية والأثرية في المتيْن هي جزء من
معالمنا
التاريخية الوطنية وليست ملكية حصرية لابناء البلدة».
بلدية المتين
ويشير
رئيس المجلس البلدي زهير ابي نادر إلى أن «تاريخ الساحة يرقى الى منتصف
القرن
السابع عشر واوائل القرن الثامن عشر، حيث كانت الساحة مركزا للأمراء
اللمعيين الذين
اشادوا قصورهم فيها وهي اليوم ساحة عامة، لكنها كانت في الماضي عبارة
عن باحة
داخلية لقصور اللمعيين، وكان استخدامها محصوراً بالامراء. ويلفت أبي
نادر إلى انه
«عندما
غادر الأمراء اللمعيون المتين وتفرقوا، لم تعد الساحة بمثابة ساحة خاصة
لقصورهم ولم يعد لديهم املاك في المتين وقام بشرائها ابناء البلدة،
مشيراً إلى أن
«المتين
بلدة منكوبة بعد ما تعرضت له من احداث حيث تضررت معظم القصور، وكان
الضرر
الاكبر ناجماً عن قصف الطيران الإسرائيلي سنة 1982 بحيث تهدمت معظم
القصور. اما تلك
التي لم تتهدم فتعرضت لاضرار كبيرة». ويلفت إلى أن «أصحاب القصور
المتضررة ليس
لديهم امكانات مالية لاعادة بنائها او ترميمها».
ويتطرق أبي نادر إلى تشويه
المعالم التاريخية للمباني الأثرية عبر إضافة ملحقات اسمنتية نافرة
بسبب ضرورات
السكن، لافتاً الى «اننا طلبنا من اصحاب القصور البدء تدريجاً بإزالة
التشويهات
وهناك تجاوب من قبلهم».
مركز سياحي
وعن المشروع القائم حالياً، يقول ابي
نادر «ان ساحة المتين استفادت من مساعدة قدمتها وكالة التنمية
الاميركية عبر شركة
Ecodit،
وبلدية المتين اعدت مشروعا وتقدمت به الى الوكالة من خلال مهندسين
زملاء
لنا في البلدية وبالتعاون مع مهندسين من جامعة الكسليك ومهندسي الـ
Ecodit،
وحصلوا
على مساعدة وكالة التنمية وبلغت حتى الآن 112 الف دولار فضلاً عن مبلغ
آخر من بلدية
المتين خصص للبنى التحتية من مياه وارصفة وساحة وسطية ومواقف للسيارات
وغيرها.
وأضاف ابي نادر: الساحة كانت عبارة عن مكان عام وميدان للفوضى والسرعة،
لذلك
لحظ المشروع استخدام الساحة كمركز سياحي، اخذا في الاعتبار وجود منطقة
آهلة، اضافة
الى الطريق الرئيسية، وجل ما في الامر انه تم درس المشروع على أساس أن
يستفيد منه
المشاة والقاطنون في الساحة وابناء البلدة. ويلفت إلى نظرة البلدية
الشاملة في هذا
المجال، حيث يعتبر المشروع الحالي خطوة أولى على طريق العودة بالساحة
الى سابق
عهدها وتحويلها الى معلم سياحي يؤمه المصطافون والسياح».
وينوه أبي نادر
«بالخطوة
التي اقدم عليها ابن البلدة روجيه صروف الذي اشترى قصراً من قصور
اللمعيين
ويقوم الآن بترميمه على نفقته الخاصة بنفس المواصفات الفنية حتى انه
يعيد استخدام
الحجارة نفسها التي ما تزال موجودة». ويشير إلى أنه «سيقدم البناء
لأبناء البلدة
حيث من المقرر ان يخصص الطبقة الاولى منه لتكون قاعة عامة لابناء
المتين، وجعل
الطبقة الثانية مكاتب للبلدية ليكون مقرها في هذه الساحة».
بيت ضيافة
وبالتوازي مع هذا المشروع تم تحويل جزء من قصر يملكه المحامي فيصل
القنطار إلى
«بيت
ضيافة» يعدّ واحداً من عشرة بيوت تمّ تجهيزها لتوفير مرافق سياحية
تقليدية في
القرى، في إطار مشروع درب الجبل اللبناني، واشار القنطار إلى أن «البيت
واحد من
عشرة بيوت جُهّزت في القرى والبلدات الممتدة على طول الدرب بهدف توفير
مرافق سياحية
تقليدية في القرى. ويندرج المشروع في سياق ايجاد موارد دخل وفرص عمل
عبر توفير
المنامة والخدمات لرواد المشي وزوّار القرى الممتدة على درب الجبل
اللبناني».
ويلفت القنطار إلى أن «بيت الضيافة لن يبقى البيت الوحيد في المتين مع
إصرارنا
كمواطنين على أن تكون البلدة حاضرة على قائمة المعالم السياحية المهمة
في لبنان».