Home Page
         
E-cards Discussion Carte Statistiques Contact
DIVERS



 

 



 

الأثيرية بصوت الصحافي الكاتب أنطوان بارود

"السلام عليك يا باريس" نصّ نضج في سنوات الغربة

المستقبل - الثلاثاء 17 تشرين الثاني 2009 - العدد 3486 - ثقافة و فنون - صفحة 18

 

                                                           
                                                                                   

 
 

كوليت مرشليان

قد تقول القصيدة عبر الأثير ما لا يمكن ان تبوح به على الورق. وقد يحمل صوت الشاعر نبرات الداخل فتتكثف احاسيس يصعب ترجمتها أحياناً، فالصوت، ذاك الآتي من ظلال الروح وتفتحها يعلن الفرح والحزن، يقول ويعتب ويثور ويغضب ويحب ويضحك، وقد يثأر للكلمات في اقصى البوح، وقد تصيبه الجراح فينثر الدمع والدم، وقد يحتفل فيفوح عطراً وبخوراً، وقد يحارب ويطلق رصاصاته كما الثورات والعصيان، وقد ينكفئ فيطمر الدمع اوتاره مثل عاصفة هوجاء اسكتها المطر، وقد ينتفض مثل نار من تحت الرماد.
هذا شيء من الأحاسيس التي تتركها فينا تلك الأسطوانة المدمجة الوافدة الى بيروت من باريس وموقعه باسم
الصحافي والاذاعي والكاتب الشاعر انطوان بارود وتحمل عنوانين: "السلام عليك يا باريس" و"دوار القمر" مجاورين لبعضهما وكأن "دوار القمر" في سعيه الى اللحاق بالمدينة المكرمة شعراً يلقي عليها غربته ولونه ومزاجه وحزنه الدائري كما عشقه الدائري لها: انه "دوار القمر"، دوار الليل والسهر في شوارع المدينة ومقاهيها وارصفتها، دوار الغربة الوافد من مدينة اخرى مجروحة، مخطوفة، منهوبة ومعلقة فوق خيارات الموت والحروب، انه دوار الشمس حين تغيب تلك الأخيرة، الوافد من بيروت المشعة ايام عزها ونورها واشعاعها الذي هاجر وتهجر قسراً وابتعد وظل يبتعد حتى صارت بيروت من بعيد مثل ايقونة مقدسة مصلوبة على عذاباتها وحيدة، تومئ له من حزنها صوب مدينة اخرى تشع بجمالياتها وثقافتها وشوارعها ونهرها وجسورها وموسيقاها وفنها: انها باريس البديلة عن الحبيبة الضائعة، وهو الصحافي والاذاعي الذي عرف كيف يعترف لها بعشقه الذي بدأ كالسحر، كالحب من أول نظرة، من أول اطلالة، من أول ليلة، من اول "قمر". وكان له الحظ بأن عمل اذاعياً، فراح يطلق لها عبر الأثير رسائل الحب وصارت الاذاعة منبر البوح، فتكونت لديه تلك المساحة كما تلك الخشبة المسرحية التي يقف هو فوقها وأمامه على الدوم بيروت ثم باريس حسب اسفار ذاك "المهاجر العتيق" وانطوان بارود ما بين بيروت وباريس كمن يحب امرأتين، غير انه ليس الحب المطعم بالخيانة، فهو هائل وعميق هنا، وهائل ومحفز هناك:
"يا دوار القمر..
انت الطالع من وطن
لا يشبه الا العنقود النازل
في كأس لا تشبهها
الا سيدتها سيدتنا
نوتردام الغامرة الصلوات والخطايا
في جزيرتها الصغيرة ما بين النهرين النهدين
لعطاش الغربة وجياع الحرية
يا أحدهم انت الآتي الى هنا
من زمان ما قبل الحروب
والسلامات ايابا بعد ذهاب
واياب ومكاتيب
مضيعاً ذاكرتك نسيت أين
وقلبك في غير حقل اقحوان
وصوتك في عصف هذا الهوى
مقاتلاً طواحين الرمل الخالي
بقلم الورد
ومكسوراً ابداً
يا دوار القمر
يا دوار القمر
قفا نرجع"
.
واذا الشعر على الورق قصيدة، فهو في صوت كاتبه اناشيد وصراخ واستغاثة ورجاء ومسرح وجلب ممثلين وخشبة ووقع اقدام ورحيل وغربة ثم عودة ثم غياب ثم حضور ثم حب فكراهية ثم موت فحياة..
القصيدة المقروءة بصوت كاتبها كمن يفتح كتاب روحه ويعد على اصابع يده احزانه وخيباته وترحاله وشغفه، فنسمعها بوحا من وراء الصوت ومعنى الصوت، وهنا الأذى كما الذاكرة تخوننا، نريد ان نرجع الى مقطع من القصيدة عبثا فهي هاربة من غربتها الى غربة اكبر، هي القصيدة الأثيرية، هي قصيدة الفضاء نخطها على حبال القلب ونقرأها على حبال الصوت في "السلام عليك يا باريس"، قرأها عام 1992 في اذاعة "مونتي كارلو" في العاصمة الفرنسية، وعلى صوت فيروز في بيروت وبيان وازنافور وبريل في اغنيات باريسية عتيقة يسافر انطوان بارود:
"(..) من "البونابرت" الى "الدوماغو" الى "الكلوزري دي ليلا" اضيع قلبي تحت القناديل وأفتش عنه في وجه امرأة صغيرة ومهدمة احسبها امي الصبية فأنام في خجلها جنباً وأغفو حنيناً وأحلم بأني رجعت معها الى ضيعتنا لنقطف ونعصر ونشرب الذي كان عنباً. (..) وفي آخر الليل مثلما في آخر كل ليل يستيقظ في عيني شبق القلب ويأخذني كي نكمل السهر من "البونابرت" الى "الدو ماغو" الى "الكلوزري دي ليلا" ذهابا وايابا سراب حتى تطلع الكراسي على الطاولات وتنزل الصفراء على ساحات الأحزان ويشرف الزبالون ليكنسوا ورق خريف الشعراء.
فالقصيدة في ذات انطوان بارود معتقة والصلاة فلامنكو والحبيبة غجرية هائمة في رقصة لا تنتهي والوطن محطة مهجورة في ليلة باردة او انتظار مرير في مطار العاصمة والمدافع تقصف سكون الليل في الخارج وشنطة السفر تختصر الوطن برائحة الزعتر وصور الحبيبة وأوراق قصيدة غير منتهية ورسالة حب لم ترسل وحلم ولد شقي لم يكبر، فيتأبط المسافر وطنه في شنطة ويرحل بعيداً الى غجريته باريس التي رقصت له منذ الليلة الأولى وخبأت أسرارها في ثنايا فستانها الغامض: "ملقط الجمر"، "يا ربطة عنقي"، و"ليسقط البوسطجي"، "حكاية شبابيك"، "من حدثون: عن المتين"، و"حلم ليلة وطن" عناوين قصائد اثيرية قرأها انطوان بارود على هواء اذاعة "مونتي كارلو" في تواريخ مختلفة وضمن برامج ثقافية ومنوعات جعلت الشعر يجاور الموسيقى والصوت يجاور القصيدة وخلقت للمهاجر بارود وللمهاجرين مثله وطناً اثيريا حلميا وعلى طريقته وكما يحلم الشاعر تلقائياً في نشر قصائده في كتاب، اصدر بارود قصائده المقرءة في اسطوانة مدمجة وكأنه بذلك لا يريد ان يلغي الصوت من قصيدته ولا صورها الشعرية المتحركة التي تمر مثل فيلم سينمائي امام المستمع فحركتها على خشبة متخيلة جزء منها والموسيقى جزء منها، واصوات بياف وازنافور وبريل وترينيه هناك وفيروز هنا جزء منها:
"(...) وتتغير احوال العصافير من قلة الخبز والسفر والمكاتيب (..) راجع اليك يا باريس لأرجع لك اغانيك انت الحميمة التي لطالما احببتك فيها وأنجبنا اطفالاً زرق العيون عشية تلك المناديل البيارق فوق شهيق القطارات وعويل البواخر..."
وأيضاً لأن قصائد انطوان بارود تقوم على حنين والحنين ناي وكمنجات وأكورديون باريسي عتيق في شارع مونمارتر، كما قصيدته وطن تسكنه "ضحكات عصافير الطيون" ورحلة "ترانزيت" كئيبة عبر مطار بيروت المهجور ايام الحروب حيث لا احد ينتظر ولا يد تلوح من بعيد ولا شيء سوى صدى الرصاص يرافق عويل الطائرة المهاجرة من جديد، كانت تلك الكتابات النثرية والشعرية المقروءة لتقول بوحاً متقطعاً على مر سنوات الغربة رحلة "المسافر العتيق" الذي يعترف ويقول: (..) اني هنا موجود مثل جواز سفر له صاحب وضائع في زاوية صفحة جديدة".
عناوين الاسطوانة في تخطيط للفنان سمير الصايغ ورسومها للفنانة ليديا بارود، اما الاخراج والصوت فللمخرج الاذاعي فادي والنصوص تم بثها عبر "اذاعة مونتي كارلو" بين 1978 و1992.

 

      

 

 

 


Espace Économique - Espace Municipalité - Espace Culture - Espace Historique
Contact - Statistiques - Carte - Discussion - E-Cards
  free web site counter

   Designed and Developed by Webserv

                                                                                            Created by C & C Najjar

ع