|
المتين ...لؤلؤة تاج الجبل
في هوائها تعبق رائحة لبنان التاريخ, وفي مياهها مذاق عراقة الأوطان,
وفي أرضها جذور ضاربة في القدم تحكي حكايا أميرات وقصور وفرسان على
خيولهم العربية يحاربون بسيوف العدالة والنصر... المتين قلباً وقالباً,
جمالاً وفكراً, ماضيـاً وحاضـراً في هذا التحقيق.
في الإسم ومعانيه
إذا اتبعنا قاعدة الإسم العربي فهي تصغير متن أي ما صلب من الأرض
وارتفع, أما إذا اتبعنا قاعدة الإسم السرياني معرّباً, فهو يعني الصبور
والحليم والمتأني, وفي كلا الحالتين تبقى المتين بلدة ارتفعت بأرضها عن
المحيط, وتعالت عليه لما تملك من جمالات طبيعية وتراثية تخلب الألباب,
وصبرت على نوائب الدهر, وتأنت في كل صباح في اختيار زينتها كعروس يوم
زفافها...
المتين أم قرى المتن, دعيت بهذا الإسم لأنها كانت قاعدة الأمراء
اللمعيين, أشهر الأسر التي كانت تتمتع بلقب الإمارة؛ والمتين بلدة
قديمة جداً تحوي آثاراً تعود الى العهد الروماني تتمثل بأبراج ومدافن
وأقنية. وقد كانت طريق القوافل القديمة التي تربط المدن الساحلية
بالبقاع (هليوبوليس) تمر في أراضي المتين, حيث لا تزال بعض آثارها
قائمة حتى اليوم, وتحديداً في المنطقة الجردية منها.
ومن الآثار القديمة في المتين برج المسيقة الذي نقشت على جدرانه كتابات
ورسوم آلهة وملوك تعود كلها الى العهد الروماني, كما يوجد في البلدة
برج الجوز القديم العهد, فيما تزخر منطقة بشلاما بالقبور والنواويس
المحفورة في الصخر, كما لا تزال آثار أقنية وأنفاق قائمة في منطقة
الوادي المحدد.
قبلة الأمراء اللمعيين
في التـاريخ الحديث, كانـت المتين في فترة من تاريخ لبنان واحة مميزة
جعلها الأمراء اللمعيون قبلة إمارتهم ومركز سكنهم.
جـاء الأميـر “أبي اللمع” جد الأمراء اللمعين من حلب في نهاية القرن
الخامس عشر, وسكن مع ذويه بلدة كفرسلوان, وكانوا من المقدمين. وقد قام
الأمير حيدر شهاب بتكريمهم بعد مساعدته في الإنتصار على خصومه في معركة
عين داره عام 1711, فمنحهم لقب الإمارة وكرّمهم وكانوا قد انتـقلوا الى
المتـين, حيث دفن الجـد الأكـبر في المدفـن المعـروف بـ”قبة الأمراء”.
وراح اللمعيون يتوسعون في البلدة فاستعانوا برجال من كسروان وبنوا
لهؤلاء كنيسة فيها, فسكنوا في المتين وتكاثروا فيها.
واتخذ الأمراء اللمعيون بلدة “جديدة المتن” عاصمتهم الشتائية, فيما
اختاروا المتين عاصمة صيفية, لما تتمتع به من مناخ معتدل وطقس جاف بعيد
عن الرطوبة والضباب الذي يغمر محيطها. وشيدوا في البلدة خمسة قصور
كبيرة جاءت رائعة الجمال من الناحية الهندسية والفنية وقد جعلوها حول
الساحة الكبرى للبلدة أو الميدان.

هذه القصور هي للأمراء: موسى, فارس, محمود, قيصر, وأكبرها قصر الأمير
قبلان (رئيس مجلس إدارة جبل لبنان), الذي كان يحوي جناحاً لمجلس المير,
وشرفات واسعة مطلة على الميدان, ومدخل ضخم مع مربط كبير للخيل, وسجن
تحت الأرض لزوم الإمارة.
وكانت الأحواش والحارات تبنى لحرم الأمراء والفلاحين قرب القصور. وعلى
غرار القصور العربية كانت لكل قصر باحة داخلية خاصة به تتناغم مع واجهة
مميزة ذات مدخل الى الميدان. الباحات الداخلية في قصور الأمراء
اللمعيين حول الميدان كانت مكشوفة, أما تلك التي في رويسة الميدان,
فكانت مغطاة بالقرميد.

أفادت العمارة في المتين من مكتسبات عصر النهضة العربية في بناء القصور
وقبب المدافن, وبعد فخر الدين تجلى الانفتاح على الغرب في إقامة
الساحات والطرقات والزخارف التوسكانية والمندلون.
وتبدو التفاصيل الغربية واضحة وإنما متناسقة مع الهندسة الشرقية
للمساحات الداخلية والمحلات داخل القصور, وهو ما يتناسب مع الحياة
الإجتماعية الشرقية والأحوال الطبيعية في طراز تتميز به العمارة
اللبنانية.
البيوت اللبنانية التراثية
الى جانب الأثر الذي تركه عصرا النهضة العربية والغربية على العمارة في
المتين, فإننا نشهد فيها البيت اللبناني الذي حافظ على هويته وخصوصيته.
وقد كانت المتين زاخرة بهذا النوع من البيوت الذي تميز باتصاله المباشر
مع الطبيعة والحاجات الاجتماعية, ويسهّل على ساكنيه التلاصق مع الأهل
والعائلة بحيث تتم حياكة أحياء سكنية ترتبط بأزقة وطرقات ضيقة.

وعندما ضاقت الحارات بأصحابها صعدوا الى الطوابق الأولى, فظهرت العلية
والبيوت المدرّجة وبوادر القرميد الأحمر من مرسيليا بعد تجارة الحرير
مع مدينة ليون الفرنسية, فزيّن المتنيون العلالي بالقرميد الأحمر, وأتت
البيوت المستقلة المربعة لتؤكد تطوّر خصوصياته بالتقسيم الداخلي والغرف
والدور والواجهات والقناطر المفتوحة على المنظر الجميل. وجاءت الطرقات
لتؤمن اتصاله بمحيطه الثقافي القروي الاجتماعي.
وهكذا انقلب مفهوم الحارة والحوش من الانغلاق على الذات الى الانفتاح
على الآخر, وعبّرت عن ذلك بيوت مربعة يعلوها قرميد أحمر وتحيط بها
مساحات زراعية ومدى طبيعي جميل, وتصل بعضها ببعض طرقات وساحات, فباتت
المتين لوحة تراثية لبيوت الحجر القديم الجميلة.

ساحة الميدان
تتخذ ساحة المتين أو ميدانها أهمية تاريخية كبيرة؛ فقد كانت, إضافة
لكونها قلب البلدة النابض الذي يجمع القصور من حوله, مركزاً يشهد
أحداثاً هامة في تاريخ البلدة والوطن. فهي من جهة كانت ملعباً لخيل
الأمراء اللمعيين تتفرج نساؤهم على مشهد

الفرسان من شرفات القصور المحيطة؛ كما كانت من جهة ثانية الساحة التي
تنفذ في وسطها أحكام الإعدام بواسطة الشنق لعدد من المحكوم عليهم؛ وكان
ممنوعاً على أهالي البلدة العاديين أن يمروا في الساحة بل كانوا مضطرين
لسلوك طرقات فرعية وجانبية خارجها وخلف القصور. وقد اشتهرت المتين بهذه
السهلة الفسيحة (الميدان) فضرب المثل بها حتى قيل سهلة ميدان المتين
للدلالة على المكان الفسيح والواسع.

أيام القزّ... أيام العزّ

اشتـهرت المتـين في العهود الماضية بتربية دود القز لصناعة الحرير, حيث
بلغ عدد كرخاناتها السبعة, ما يشهد على ما كان في الضيعة من ازدهار في
تربية القز وزراعة شجر التوت؛ عمل في هذه الكرخانات مئات العمال في
البلدة وجوارها. وأصبحت صناعة الحرير الطبيعي والتجارة به ميزة اشتهرت
بها المتين في أنحاء البلاد كافة.

مع كرخانات الحرير تنامت في المتين معاصر الدبس الى جانب ما كانت تنتجه
من نبيذ وعرق وخل.
وتزخر البلدة بأشجار الصنوبر التي تقدم إضافة الى الهواء النقي والصحي,
موسماً مدراً للأرباح من حبوب الصنوبر المتمـيزة بنكهتها وطعمها
اللذيـذ الخاص بالمتـين. كمـا تـزرع في المتـين الخضار على أنواعـها,
والفاكهة الصيـفية اللـذيذة لا سيما الكرز والمشـمش والتوت.
من علامات المتين اللافتة, غناها بالعيون والينابيع: نبع بقليع (منطقة
عالية كانت مصيفاً للأمراء), نبع السد الذي يستعمل لري المزروعات,
و”هوة الدارة”, وهي نبع في عمق الضيعة يمتد تحت الأرض ليتحول الى نهر
ينتهي عند فوّار انطلياس, ونبع “المنبوخ” الذي يتوزع على قرى المتن
الشمالي من المروج الى بكفيا. لذلك يمكن القول أن المتين تلة تعوم على
ينابيع وعيون تجري من تحتها بغزارة ووفرة.
العمل البلدي في المتين حالياً
رئيس بلدية المتين السيد جوزف عقل تحدث عن نشاطات بلدية المتين
ومشاريعها, فقال: تمارس البلدية نشاطها منذ انتخاب المجلس البلدي في
العام 1998. وفي هذا الإطار عملنا أولاً على تخليص البلدة من الآثار
التي تركتها فيها الحرب, ثم تولت لجنة من المهندسين مسح البيوت
والعقارات ما سهّل مهمة جباية الرسوم البلدية.
وأضاف:بالتعاون مع مؤسسة “لاساجيس” الفرنسية تم انشاء مكتبة فرنكوفونية
في البلدة تستفيد منها أيضاً القرى المجاورة. وبعد أن استملكت البلدية
قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 11 ألف متر مربع, سوف يتم بناء مدرسة مهنية
مركزية, تؤمن التعليم المهني لأبناء المنطقة.

في ما يتعلق بالخدمات, تم شق طرق وتزفيتها بمساعدة من البنك الدولي,
كما ساهمت البلدية في حل مشكلة شح المياه عبر جر مياه أحد الينابيع
إليها.
وتسعى البلديـة الى الحفاظ على المقومات السياحية للبلدة وتنميتها, عبر
السهر على الطرق وزراعة الأشجار وسوى ذلك من أعمال.
وختم السيد عقل حديثه بالقول:
المتين مميزة بكثير من المقومات, جغرافياً وتاريخياً وثقافياً... ومنها
خرج الى ساحات الوطن رجال كبار في ميادين الفكر والشعر والسياسة...
خراج المتين من بسكنتا الى سرعين
لكل بلدة في لبنان محيط جغرافي تابع لها عقارياً يسمى “خراج”. وتتفاوت
مساحات خراجات القرى تبعاً لأوضاع شتى؛ وتشكو بلدات عديدة من ضيق
خراجها بينما تتمتع أخرى بخراجات واسعة, وفي هذا السياق فإن بلدة
“المتين” هي من أوسع البلدات اللبنانية خراجاً, إذ تمتد الأراضي
التابعة لها حتى بسكنتا وصولاً الى سرعين في بعلبك, بحيث كانت المتين
في الماضي تستخدم 14 ناطوراً لحماية مشاعاتها.
بين الأعالي والأعالي
يبلغ ارتفاع بلدة المتين عن سطح البحر 1100 م, غير أن هذا الارتفاع يصل
في مشاعها عند الزعرور الى نحو 2000 متر.
ويبلغ عدد سكان المتين نحو خمسة آلاف نسمة يتوزعون على العائلات
الآتية: عقل, سلامة, بوسليمان, راشد, بوعقل, القنطار, كنج بوعقل,
بعقليني, أبي اللمع, ناصر, ناكوزي, هارون, بارود, بوفرحات, بوغصن,
نادر, الحاج, بونادر, خيرالله, ابي نادر, الجبيلي, حجيبان, مدوّر,
اسطفان, فرح, الصبّاغ, يارد, النجار, انطون, بورزق, بوسمرا, الحداد,
بوشمعون, الشويتر, عيد, الخرّاط, حبيقة, بورعد, صرّوف, نهرا, ضاهر,
راضي, شلبي, عبيد, مرداس, هاني, بلّوط, الحلبي, علوان, الخطيب.
مراجع
أجنحة الأرز, العدد 44, مقال للشاعر هنري زغيب, والعدد 70, مقال
للمهندس عصام سلامة .
تحقيق: باسكال معوض
العدد 216
- June, 2003
مجلة الجيش
|