|
"النهار": الاثنين 15 حزيران 2009
رجل الحوار
père khalil

إذا كان للإنسان أن يختار بل إذا قيض له أن يطلب استعادة
شيء أو قرار أو إلغاء شيء حصل، فهل كان المطران خليل أبي نادر ( 88
عاماً) يتراجع
عن مواقفه التي اطلقها وسبّبت له الكثير من المشكلات والمتاعب وصلت الى
حد الخطف
وحجز الحرية مرتين واحدة في حزرتا في البقاع وثانية في محلة البربير في
بيروت،
والتهديد بالقتل مرات؟
حكماً لا... بل ألف لا؟
فإبن
المتين الذي
ولد في 6
كانون الأول 1921 ما تراجع يوماً بل ما انحنى. رحل أمس ورأسه مرفوع.
درس المطران
خليل في
مدرسة الحكمة في بيروت ثم في غزير، وانتقل الى اكليريكية غزير وإلى مدينة
بوردو الفرنسية، فمعهد سان سلبيس الذائع الصيت في باريس فالمعهد
الكاثوليكي في
المدينة عينها، فالسوربون حيث حاز إجازة في الفلسفة ثم في اللاهوت
والآداب.
سيم
كاهناً في 29 حزيران 1947
على يد المثلث الرحمة المطران إغناطيوس مبارك مطران بيروت
ثم
عيّن استاذاً ورئيس قسم البكالوريا في مدرسة الحكمة في بيروت، وأميناً
لسر
المطران مبارك الذائع الصيت في مواقفه الوطنية، واسس مدرسة الحكمة في
جديدة المتن
ومدرسة الحكمة في كليمنصو ـ بيروت، في وقت كان كاهن رعية مار الياس
القنطاري
والوردية في الحمراء.
وبحكم خدمته رعيتي القنطاري والحمراء وانفتاحه وعدم
إنغلاقه، "فـَتـَح" على "النهار" جارته و"إبنة رعية الوردية"، وربطته
بأركانها وفي
مقدمهم "المعلم
الأكبر"غسان تويني ورئيسا التحرير آنذاك المرحومان لويس الحاج
وميشال ابو جودة، ومدير التحرير آنذاك رئيس التحرير الحالي فرنسوا عقل
والمدير
المسؤول المرحوم جوزف نصر، أوثق وشائج الصداقة والمحبة.
في 19 نيسان 1986 عيّنه
المثلث الرحمة البابا يوحنا بولس الثاني مطراناً على بيروت، (في قرار
واحد مع
المطران يوسف بشارة مطراناً على انطلياس)، وأعلن التعيين من بكركي بعيد
انتخاب
صديقه
المطران نصرالله بطرس صفير بطريركا للموارنة. وقدم استقالته لبلوغه سن
التقاعد في 6 كانون الأول 1996، وانصرف الى خدمة رعية القلب الأقدس
التي شيدها
صديقه
المرحوم أنطوان مسعود في شارع سامي الصلح في بدارو قبل أن يلتقيه مرض
الشيخوخة ويرافقه الى دار الراحة التابعة لراهبات المحبة في الحدت.
في 5 تشرين
الأول 1985 خطف مسلحون في
محلة البربير الخوري خليل أبي نادر بينما كان يعبر من
"الغربية"
الى"الشرقية" واتجهوا به الى جهة ليست طبعاً فندقاً "خمسة نجوم"
و"عنتروا" عليه ثم أطلقوا سراحه نتيجة تدخل رئيس مجلس النواب رئيس حركة
"أمل" نبيه
بري كما كان تدخل لدى خطف المطران أبي نادر في حزرتا، والجهتان
الخاطفتان "مان"
عليهما "الأستاذ" الذي كان تلميذ "سيدنا". وحجتا الخطف أن ثمة مخطوفين
في "الشرقية"
تجب مبادلتهم
بمخطوفي "الغربية". وتلامذة الخوري خليل ـ أو
père khalil -
كما يسميه
تلاميذ الحكمة بكل فروعها، لم يحفظوا جيداً تعاليم المعلم
!!!
و"المعلم" لا
يغيّر
مواقفه، بل هو أعلن في حوار مع كاتب هذه السطور في "النهار" غداة إطلاق
سراحه
بعد الخطف في 5 تشرين الأول 1985 "لن أغادر الغربية "، وفي 16 كانون
الأول 1985 أكد "لم
أعلّم إلاّ المحبة وسأكون آخر مـَن يترك بيروت الغربية".
ولكن المطران أبي
نادر واجه في "الشرقية"
ما واجهه في "الغربية"، و"احمرّت" العين منه خصوصاً بعد عظة
عيد مار مارون في كنيسة مار يوسف في الأشرفية يوم 9 شباط 1987 عندما
قال في عظته "زعماؤنا
باتوا أنبياء عنف، ولا نريد تقسيم الوطن ولا نبغي زواله"، وهي عظة كانت
تحت عنوان "رسالة مار مارون اليوم". ثم أعقبها بعظة في عيد السنة
التالية ) 9 شباط 1988 )
وكان عنوانها "مار مارون إن حكى"، وفيها دعوة الى التفاهم بين سوريا
ورئيس
الجمهورية أمين الجميل، و"نصلّي لأن يسمع الرئيس (حافظ) الأسد الوطني
السوري العربي
العظيم، صوتنا وكأنه صوت اللبنانيين، يقول له:" نريدك يا سيادة الرئيس
للبنان كما
كان كونراد أديناور (أول مستشار لجمهورية ألمانيا الإتحادية الذي أرسى
مع الجنرال
ديغول أسس التقارب الإلماني الفرنسي) تجاه فرنسا بعد خلاف طال أمده"،
ودعا الرئيس
الأسد الأب الى "التفاهم مع الشرعية اللبنانية الممثلة بالرئيس الجميل"
بعد نصف قرن
من الضياع والعداء"، مبدياً خوفه على الوطن وليس على الرئاسة.
...
وفي اليوم
التالي قامت قيامة "أهل
البيت"، حتى أن بعض قوى الأمر الواقع تدخلت ليلاً لحذف
عبارات من العظة فيها تبجيل للرئيس السوري آنذاك، ورضخ بعض الصحف لـ
"الرقابة"، إلا
أن تدخل المطران أبي نادر عندما أسرّ أحدهم اليه بفعل "مقص الرقابة"،
أعاد الأمور
الى نصابها، وأعاد الجمل المحذوفة شخصياً كلمة كلمة، حتى أنه فاجأ
الجميع باتصالاته
قبيل منتصف الليل ليصحح ما تم تشويهه.
والخوري خليل، لم يخف يوماً، وكل شيء
بالنسبة اليه كان عادياً، وسلاحه إيمانه وتمترسه بالحوار سبيلاً الى كل
شيء في
لبنان
حتى لقّب "رجل الحوار".
أصدقاؤه كانوا رجال دولة إضطهدتهم سلطة الوصاية
أو "موظفوها". أصدقاؤه كانوا أصحاب مواقف ولم يكونوا يوماً "أرجل كرسي"
أو رجال "بصم" و"أمرك سيدنا" في وطن عزّ فيه الرجال حتى وكأنه أصبح التسابق
على العمالة
فضيلة!
الخوري خليل، رجل البناء من
حكمة كليمنصو الى حكمة الجديدة و"الهاي سكول"
في عين سعادة،
الى المشاريع الإستثمارية في أملاك الوقف الماروني، الى واضع عشرات
أحجار الأساس لكنائس دمّرتها الحرب في لبنان، الى فاتح الحوارات مع
رجال الدين
المسلمين، والخطيب المسيحي في بعلبك في ذكرى صديقه الإمام السيد موسى
الصدر، الى
مقتحم "مجاهل كنيسة مار مخايل في الشياح فوق الأنقاض، قبل أن يقدّس في
كاتدرائية
مار جرجس في وسط بيروت وهي مدمرة، حيث استعان بالدفاع المدني وفوج
الإطفاء لـ"شطف"
الطريق وصولاً الى الكاتدرائية، ثم وضع أسس ترميم المطرانية لينطلق
العمل مع خلفه
المطران بولس مطر.
الخوري خليل، ذاك الرجل الرجل لم يعرف الخوف يوماً، بل كان
بينه وبين الخوف مودة ووحدة حال وتعايش، إذ أن مَن يجتاز المعابر كل
يوم يألف
المصير المجهول ويأنس لأهل المتاريس ويرتاح الى أنسهم.
وحده المطران أبي نادر في
عز
أيام الممنوعات كان يحرص على التوجه في 27 أيلول الى مدافن رأس النبع
ليقدس
لراحة
نفس الرئيس إميل إده، ووحده في عز "حكم الأشباح" كان يجاهر بصداقته
للعميد
ريمون إده ويحرص على ترؤس القداس السنوي لراحة نفسه كل عام في وقت تردد
بعض أصدقاء
العميد في الحضور خشية أن تحل النقمة عليهم..
عندما ابتعد المطران خليل عن رعاية
الأبرشية عام 1996 راضياً مرضياً، لجأ الى الصلاة، مكملاً سنين طويلة
في ممارسة
فروضه
التقوية. ابتعد في صمت وغاب عن العين. قلة من الأصدقاء الخلّص كانوا
يزورونه،
وهو
كان يوصيهم بالمحبة والحوار وعدم الخوف. ولم ينسَ
père khalil
يوماً
أصدقاءه.
هذا
الرجل له أصدقاء كثر.
والكثر الذين تحبهم يقابلهم في كفة ثانية كثر يحبونك.
هم
سيذكرونك بالخير ويتحدثون عنك أيها الحبر القديس. سيذكرون الحمراء
والقنطاري
والوردية وزيارات التبريك في "نهار" الحمراء، وسيذكرون فوق كل ذلك
رجلاً قديساً
شجاعاً ما خاف الموت وما حقد على مخلوق، بل غفر لخاطفيه والمسيئين اليه
كما الرب
الإله "لأنهم لايدرون ماذا يفعلون".
أبونا خليل عشرات الكنائس التي وضعت الحجر
الأساس لها بعد الحرب تصلي لك مع رعاياها. وعشرات المخطوفين الذين
تمكنت من إطلاقهم
هنا وهناك يترحمون عليك، والمساعي الخيّرة التي قمت بها بين "أهل
البيت"، تتوق الى
من يجددها.
سيدنا خليل، رجل الحوار و"رجل لبنان الواحد" كما كان يحلو لك تسمية
نفسك، التاريخ سيذكرك...
وقادروك وأنا منهم لن ينسوا ما فعلت وسيكتبون للتاريخ.
حبيب شلوق
• نعاه رئيس أساقفة بيروت للموارنة
المطران بولس مطر، ويترأس
البطريرك الكاردينال مار نصرالله
|