|





سحر طه
أصدرت "مؤسسة
التوثيق والبحث في الموسيقى العربية"
كتيباً يعدّ فريداً من نوعه، واكب إطلاق تأسيسها ابان المؤتمر الصحفي
الذي عقد منذ فترة في "نقابة الصحافة"، فهو يعرف الجمهور بالمؤسسة
وأهدافها واهتماماتها، لكن بطريقة مشوقة وباللغتين العربية
والانكليزية، ويعد
مرجعاً موثوقاً وإن عبر نبذات مختصرة ومعلومات (ما قل ودلّ) وتواريخ
وصور نادرة لأعلام ورموز صنعوا تاريخ الموسيقى العربية على مدى أكثر من
قرن مضى سواء في مصر وسوريا ولبنان والعراق.
وفي تعريف عن "مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية" "...هي مؤسسة
لبنانية تختص بحفظ الموسيقى العربية القديمة ونشرها وهي تمتلك خمسة
آلاف اسطوانة جلها من تسجيلات عصر النهضة (من عام 1903 الى ثلاثينات
القرن العشرين) وقرابة ستة آلاف ساعة من التسجيلات البكر والأشرطة وقد
اقتنت المؤسسة استديو مزوداً بأحدث وسائل التقنيات المخصصة لتحويل
المواد الموسيقية الى ملفات رقمية وحفظها حتى لا تضيع هذه المجموعة
النادرة منا، كما أبتنت المؤسسة في مطلع 2010 قاعة متعددة الأغراض تتسع
لثمانين شخصاً.
وكان انطلاق المؤسسة في حلقة دراسية في مقر المؤسسة بقرية قرنة الحمرا
في محافظة المتن بلبنان من 17 الى 19 من آب 2009 وبحثت في أهدافها
واستراتيجياتها وتقنياتها بمشاركة باحثين في علوم الموسيقى وموسيقى
الشعوب من كندا (جامعة ألبرتا) وفرنسا (جامعتي باريس 4 وباريس 10)
والولايات المتحدة الأميركية (جامعة هارفرد) ولبنان
(الجامعة
الانطونية وجامعة الروح القدس في الكسليك)
ومن تونس ومصر وجميعهم أعضاء في مجلس الشورى والتخطيط، وهم جان لامبير
ونداء ابو مراد وفرجينيا دانيلسون وفريدريك لاغرانج ولطفي المرايحي
ومايكل فريشكوف والمؤسس كمال كريم قصار.
هذا ويشمل اهتمام المؤسسة العديد من الأصوات الجديرة بالإضاءة عليها
مثل فتحية احمد وماري جبران ونادرة أمين ولور دكاش وفاطمة سري إضافة
الى ام كلثوم واسمهان وكبار منسيين مثل محيي الدين بعيون ومتري المر
ومحمد العاشق ومحمد القبنجي وتسجيلات من استديو أو حفلات لصالح عبد
الحي وعباس البليدي ومحمد حيري ومن التراث المجهول في لبنان وسوريا
وفلسطين والعراق والخليج والمغرب العربي وتراث الجماعات السريانية
والكردية والقبطية وغيرها من الجماعات العرقية المحلية الأخرى التي هي
جزء من عالمنا العربي والرصيد الحي للجماعات الصوفية وكبار قراء
القرآن.
وتعتزم المؤسسة نشر هذه التسجيلات لتكون في متناول الجمهور من خلال
العديد من الوسائط كالأقراص المضغوطة والمنشورات وكذلك عبر الانترنت
وما يتصل به من تقنيات ومواقع ألكترونية تنشأ لهذا الغرض وكذلك تأسيس
محطة اذاعية تثقيفية وتاريخية بأصوات القديرين والمؤرخين وعشاق
الموسيقى.
وفي الكتيب نبذة عن مهنة وخبرات كل عضو في مجلس الشورى والتخطيط في
المؤسسة وبعض المقالات حول مجموعة اسطوانات عبد العزيز عناني الذي يعد
أهم المراجع في دراسة الموسيقى العربية والثقافة الموسيقية و"نحن
محظوظون بوجود هذه المجموعة القيمة في حوزة المؤسسة..." كما كتب علي
جهاد الراسي أستاذ علم موسيقى الشعوب في جامعة كاليفورنيا، وما كتبته
فرجينيا دانيلسون: "... بأنها أفضل مجموعة في العالم من التسجيلات
التاريخية لموسيقى الطرب العربي وما يتصل به من أجناس، وتعد المجموعة
آلافاً من الاسطوانات المبكرة التي يعود تاريخ بعضها الى بدايات عهد
التسجيل في الشرق الأوسط سنة 1904...".
فيما أثنى الفرنسي لاغرانج على "إحدى أهم المجموعات في القاهرة وأصبحت
أهمها في نهاية القرن العشرين".
ونقرأ مقالة عن فجر "المدرسة الخديوية" حيث يشير المصطلح الى نمط من
الموسيقى المتقنة يؤدى في المناسبات الخاصة وجرت العادة أن تتألف
السهرة من ثلاث وصلات وأن تكون الوصلة الثالثة هي المفضلة لدى الجمهور
إذ يكون صوت المطرب قد بلغ ذروة انطلاقه... والوصلة سلسلة من القطع
الغنائية من قوالب مختلفة تتخللها مقامات وفواصل آلية وينتظم جميعها في
هيكل مقامي واحد.. وكان الظرف شرطاً أساسياً من شروط نجاح المطربات كما
نوه الذين أرّخوا لسيرة سكينة وألمظ بفطنتهما وظرفهما ولم تنجح ام
كلثوم في القاهرة إلا بعد أن خلعت رداء الفلاحة لتصبح سيدة من سيدات
االمجتمع. فيما تكمن عبقرية "المدرسة الخديوية" في القدرة على التأليف
بين ثقافات موسيقية وصهر عناصر من مكونات الذكر الصوفي في قالب الوصلة.
والغناء هو الوحيد بين ملذات الخاصة الذي صار في متناول الكادحين إذ
كان بإمكانهم حضور الحفلات العامة لكبار المطربين حين قرر الخديوي
اسماعيل باشا إقامة تلك الحفلات بمناسبة عيد الجلوس أو لمن كان منهم
قادراً على دفع ثمن الدخول الى ملاهي الأزبكية.
ونبذة بعنوان "الموسيقى في حراك النهضة" تأخذ على تلك المرحلة
"الخديوية" عدم ترك أي شهادة عن فنون أولئك المؤسسين الذي بلوروا معالم
مدرسة موسيقية امتدت آثارها الى العقود الأولى من القرن العشرين، أمثال
عبده الحامولي أو محمد عثمان أو يوسف المنيلاوي أو غيرهم وأن أكثر
المعلومات التي وصلتنا عنهم كان يغلب عليها طابع التمجيد. وسبب غياب
التنظير من تجربة المدرسة الخديوية هو أنها لم تعمر وقتاً كافياً
لانتاج جهد نظري ذي بال...".
ونقرأ لمحات تاريخية لافتة بعنوان "موجة اسطوانات 78 لفة العارمة" حين
نافست هذه الأخيرة "خلال عصر الفونوغراف" الحفلات العامة والخاصة وباتت
الوسيلة الأولى لنشر الموسيقى قبل تأتي الاذاعات وتزعزع هيمنتها. وعن
قالب "الدور" الذي يمكن اعتباره أهم قالب موسيقي خلال القرن التاسع عشر
والربع الأول من القرن العشرين وفيه يغنى المطرب أبياتاً من الشعر
العامي المصري مع مجموعة المذهبجية أو الرديدة ويصاحبهم "تخت" يضم عادة
خمسة عازفين.
وتتوالى صفحات الكتاب في طرح مسيرة كل من الرموز المؤسسين أمثال الشيخ
يوسف المنيلاوي (1847-1911) الذي سجل أول ثلاثين اسطوانة قرابة عام
1905 وتوالت بعدها تسجيلاته لشركات عدة وعرف بأداء الأدوار والتواشيح.
عبد الحي حلمي (1857-1912) الصوت المتحرر الذي عرف عنه عدم التزامه
بالقواعد اللحنية والوزن مشحون العواطف وفنان عصامي. الشيخ سلامة حجازي
(1852-1917) عرف بنشأته الدينية ثم تخليه عن الإنشاد الديني الى
الدنيوي وسار على نهج سابقيه مثل عبده الحامولي ومحمد عثمان وغنى
الأدوار وأسس فرقته المسرحية الخاصة وقدم أهم المسرحيات. سليمان ابو
داود القليل الصيت والذي غنى الأدوار والقصائد وبعض المواويل وسيد
الصفتي (1875-1939) ويتميز بالدقة واتقان الألحان التي غناها من سبقه.
إضافة الى لمحات عن داود حسني (1870-1937) ملحن الأدوار المتمكن وصالح
عبد الحي (1896-1962) الذي عرف برائعته (ليه يا بنفسج) وزكريا احمد
(1896-1961) الذي ترك ألحاناً وبصمة لا تنسى وتغييرات جوهرية في قالب
الطقطوقة. ومنيرة المهدية "سلطانة الطرب" (1884-1965) وزكي مراد
(1880-1946) والد كل من منير مراد وليلى مراد وفتحية احمد (1898-1975)
التي لقبت بـ"مطربة القطرين" مصر وسوريا" وأم كلثوم (1904- 1975) وهي
التي باتت الأكثر شهرة وسيدة الطرب في عصرها وما تزال.
وبالطبع لا يمكن لكتاب يعلن عن تأسيس مؤسسة للتوثيق أن يحيط بكل تلك
الأسماء الكبيرة والبارزة في خلال فترة المئة سنة الماضية، خصوصاً أن
التوثيق ينصب الآن كما أسلفنا على أرشيف وتسجيلات الفترة ما بين (1903
و1935)، فنجد صوراً للبعض ممن جاء ذكرهم في أكثر من محطة أو سيرة مثل
أبو العلا محمد والشاعر بيرم التونسي ورياض السنباطي وسيد درويش وأمين
حسنين وعازف البزق المبدع محمد عبد الكريم وماري جبران والشيخ مصطفى
اسماعيل ومحمد سالم العجوز وآخرين، فيما صورة الراحلة اسمهان تتصدر أحد
غلافي الكتاب في إعلان: شركة "كولومبيا" الذي وضع عبارة: (عن النجمة
الجديدة بالقطر المصري، والتي لم تبلغ من العمر اكثر من 14 سنة وقد
حازت من الفن ما لم تحزه كبيرات المطربات).
واخيراً تمنيات المؤسسة في المساهمة في استمرار المشروع في كلمة:
"إمكان ما كان وما سيكون، ما كان هذا العمل ليرى النور لولا مساعدة
أعضاء مجلس الشورى والتخطيط لمؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية
وشركائهم وأقرانهم من عشاق الموسيقى العربية. وإذا ما كان لديكم ما
تريدون الإفادة به بخصوص المشروع والموسيقى مما من شأنه أن يساعد في
النهوض بأهداف المؤسسة فالرجاء الاتصال بنا". وللمؤسسة موقع الكتروني
هو
www.amar-foundation.com
|