|
" النهار": الاربعاء 1 أيلول 2010
الاقتصاد الأميركي... معافى أم لا يزال ضعيفاً؟
منذ بدء
الأزمة المالية العالمية منتصف 2007، لم تترك حكومة الولايات المتحدة
فرصة لإنعاش
الاقتصاد الا واستغلتها، بدءاً من النفقات الهائلة في الموازنة مروراً
بدعم القطاع
المالي وصولاً إلى خفض معدلات الفائدة. ولكن بعد ثلاثة أعوام، يُلاحظ
أن اقتصادها
لا يزال ضعيفاً رغم المبالغ "الفلكية" التي ضُخّت في الأسواق. لذا لا
بدّ من درس
أسباب هذا الركود في النمو الاقتصادي الاميركي.
تملك الولايات المتحدة أضخم
اقتصاد في العالم، لأنها تنتج ثلث الثروة العالمية. يبلغ ناتجها المحلي
الإجمالي 14
الفا و266 مليار دولار (2009). وتحتل المراتب الأولى من حيث احتياطات
الذهب وبورصة
نيويورك، الانتاج الصناعي، الواردات، الخدمات، الكهرباء، النقل الجوي،
الاستثمارات
في الخارج، القدرة التنافسية، حركة الحاويات، الصادرات، السياحة
الدولية وإنتاج
النفط. كما أن أهم الشركات في العالم هي أميركية وتُهيمن على قطاعات
عدة: الطيران
("بوينغ")،
المشروبات ("كوكا كولا")، البرمجيات ("مايكروسوفت")...
هيكلية
الاقتصاد الأميركي هي شبه كاملة. ويحتل القطاع الأولي المناصب
القيادية، في
الزراعة، المناجم والطاقة وصيد السمك الذي يشكل جزءاً مهما من القطاع
الأولي.
ويتقدم القطاع الثانوي المراتب الأولى من حيث الصناعات الثقيلة،
الطيران، السيارات،
الالكترونيات، برامج الكومبيوتر، الكهربائيات، السلع الاستهلاكية
والغذائية
الزراعية والتكنولوجيا العالية. أما قطاع الخدمات فمزدهر للغاية،
ويوظّف أكثر من 70
في المئة من القوة العاملة. لكن العجز التجاري يُمثل نقطة ضعف
الاقتصاد، فيما 40 في
المئة منه هو نتيجة التجارة مع الصين. وتستهلك الولايات المتحدة ما
يقارب الـ 80 في
المئة من الصادرات المكسيكية، فيما يعتمد الاقتصاد الكندي على نحو كلي
تقريباً على
الاقتصاد الأميركي.
الوضع الحالي
1-
البورصة
تُعتبر
البورصة مؤشراً رئيساً للاقتصاد، وتعكس توقعات المستثمرين لتطور
الاقتصاد على
المديين المتوسط والبعيد. في آب 2010، خسرت مؤشرات الأسهم الأميركية كل
المكاسب
المسجلة منذ بداية السنة. إذ إن الإحصاءات الصينية التي تشير الى
انخفاض الإنتاج
(كنتيجة
لخفض الطلب الداخلي والخارجي) وانخفاض التوقعات الاقتصادية للمصرف
الاحتياطي الفيدرالي
(FED)
وتزايد العجز التجاري للولايات المتحدة في حزيران 2010،
زاد من المخاوف في شأن استئناف النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة،
مما تسبب في
زيادة العرض وهبوط الأسعار (–2,49 في المئة مؤشر "داو جونز" و–2,82 في
المئة
"ستاندرد
اند بورز" و–3,01 في المئة "ناسداك" المجمع).
ورداً على هذا الانخفاض،
أعلن الـFED
عزمه إعادة الاستثمار في سندات الخزينة، عائدات سندات الدين التي
يحملها والتي دُفعت لجبه التباطؤ الاقتصادي، لكن هذا الإجراء لم يقنع
المستثمرين.
2-
البطالة
أثّرت النفقات العامة
إيجاباً على الاقتصاد وسوق العمل، وموّل هذا الانتعاش الذي بدأ في تموز
2009، من
الائتمان الذي قامت به الحكومة الاتحادية والمصرف الاحتياطي
الفيديرالي. الا أن وقف
القروض المصرفية وتطّور قطاع العقارات السلبي والبطالة، شكلا عقبات
أساس على طريق
الانتعاش الذاتي للاقتصاد. الجدير ذكره أن التدخّل الحكومي جنّب
الاقتصاد الأميركي
الركود، وبلغت البطالة ذروتها في تشرين الأول 2009 (10.1%)، وقد استقرت
منذ 2009
على معدل 9.5 في المئة. لكن تحليل بيانات المكتب الوطني الاميركي
للتوظيف يُظهر
الشك بإمكان انتعاش اقتصاد الولايات المتحدة، ويُظهر أيضاً أن قسماً
كبيراً من
الانفاق أدى إلى نتائج مبهمة. ويمكن الاستنتاج أن علامات التحسّن
الواضحة لم تظهر،
بل على العكس، هناك علامات تدهور في الاقتصاد، إذ أن هبوط معدّل
البطالة إلى 9.5 في
المئة لا يعتبر عنصراً حاسماً مع انخفاض القوة العاملة، الناجم عن
تزايد عدد العمال
المحبطين الذين يتركون مجال العمل.
3
-
الدين العام
بلغت الديون
الفيدرالية للولايات المتحدة 12 الفا و992 مليار دولار في أيار 2010،
وبلغ نموها
1239
مليار دولار في 9 أشهر. وتدفع دراسة هيكلية هذا الدين الى إستنتاج
الآتي:
•
زيادة سندات الخزينة
(TIPS)
ذات الفائدة المنخفضة ورأس المال المضمون من التضخم،
على نحو بسيط منذ بداية الأزمة (2007).
•
السندات غير القابلة للبيع في تآكل
بطيء، مما يعني أن المبالغ التي ستُرد أكبر بكثير من المبالغ الناتجة
عن
الإصدار.
•
إن التمويل الأساسي للدين يأتي من إصدارات الـBills،
Notes،
Bonds.
ومن الملاحظ أن زيادة الديون الطويلة الأمد تُؤشّر الى عملية تجميع
للدين
(Consolidation).
أما انخفاض الـT-Bills،
فيدل على أن تجميع الدين قد حصل بعملية
مزدوجة عبر الاصدارات الطويلة الأمد وخفض الاصدارات القصيرة الأمد.
-
المصرف
الاحتياطي الفدرالي
(FED)
يعتقد بعض الخبراء أن الـFED
يعمد الى شراء كميات
كبيرة من سندات الخزينة، وأن وزارة المال تعمل على تسييل الديون من
خلاله
(Monetization)،
حيث تستخدم الولايات المتحدة هذه الوسيلة لتمويل جزء من ديونها
المالية.
لكن التطور الحاصل في إجمالي مطلوبات الـFED
يُشير إلى زيادة حاجته إلى
تمويل مع تفاقم الأزمة. ويعود سبب هذه الزيادة الى انهيار النظام
المالي في
الولايات المتحدة. أما مصادر التمويل الرئيسة لهذه المطلوبات فهي
ثلاثة: الودائع
الالزامية للمصارف (الممول الرئيسي)، تحويلات وزارة المال والعملة
المتداولة.
وتسبّب إلافلاس التقني لمؤسستي "فاني ماي" و"فريدي ماك" التي ترعاها
الحكومة في نهاية عام 2008، ببيع الأدوات القرضية المركبة
(securitization products)
المنتجة من تلك الشركات. وفي الوقت عينه، دفع تقلّص قروض الرهن
(Credit Crunch)
العقاري الخاص التي تفاقمت، المصرف الاحتياطي الفدرالي الى الردّ على
مشكلتين: تجنّب انهيار سوق السندات، ولعب دور البديل لمؤسسات الرهن
العقاري
الخاصة.
ولتحقيق هذا الهدف المزدوج، اضطرت وزارة المال الى نقل 200 مليار دولار
ما بين شباط ونيسان 2010 إلى الـFED
كي يتمكن من مواصلة سياسته، حيث تشكّل الديون
قنبلة موقوتة للمصرف، وتاليا الى وزارة المال. وهنا يمكن الإستنتاج أن
الـFED
لم
يعمد، بحسب قول الخبراء، الى تسييل ديون الخزينة، وإنما باع سندات
خزينة عام 2008
لتغطية عملياته لدعم القطاع المالي، وأن عمليات الشراء المعلنة، كانت
مجرّد عودة
إلى الوضع الطبيعي.
إن انتعاش الاقتصاد في الولايات المتحدة غير مؤكد، بل على
العكس تماماً، يظهر التحليل أن الوضع هو بمثابة قنبلة موقوتة. ورغم كل
الخطوات التي
قامت بها الحكومة الأميركية، الا أن الكلمة الأخيرة تبقى للمستثمرين،
وقد تغيّر
ثقتهم في الاقتصاد، الوضع.
الجدير ذكره، أن ارتباط اقتصادات الدول، يجب أن يكون
دعوة للدول الأخرى التي تتمتع بتبادل تجاري قوي مع الولايات المتحدة
(كندا، الصين،
المكسيك والاتحاد الأوروبي)، إلى مزيد من التضامن مع الولايات المتحدة
نظراً الى
الكوارث التي قد تنجم عن انهيار الاقتصاد الأميركي.
بقلم وليد أبو سليمان
( (•)
المدير
العام لشركة "أكسيس كابيتال".
(
ص
7
|