|
المعصرة
1
ها قد عنّب الكرم ونضجت عناقيده وطاب تحت أشعة الشمس
الذهبية طوال
أيام الصيف ودنا قطافه. حان وقت القطاف في أواخر شهر
أيلول وانطلق الناس الى حقول الكروم، يساعد بعضهم
بعضا يقطفون عناقيد العنب المتلألىء
كالجواهر بعد أن لوّحته الشمس فأقطف ودبس وغدا
معنّبا صالحا لقطفه ونقله الى المعاصر.

أيّام القطاف في المسيقى في
السبعينات
يهيىء ويجهز المعصرة عادة رجل يملك حقلا واسعا
يتوافر فيه كرم العنب.
والمعصرة هي كناية عن أرض حجرية واحدة من الصخر
الأبيض الأملس
بنيت حولها حيطان من الحجر الصخري أيضا لا ترتفع
كثيرا عن الأرض
ما عدا الحائط الذي يلقون من فوقه العنب المقطوف.
ويسمى المكان الذي يفرغون عليه العنب المرفس.
ويكون هناك عادة مرفسان متحاذيان بسبب
كثرة العنب ورغبة القاطفين في أن
لا
يتأخروا في إنجاز عملهم. ثم إن للمرفس
قناة حجرية يسيل فيها العنب المعصور الى جورة
مقعرة في الصخر أيضا
كمستودع يتلقى عصير العنب.

الشيخ توفيق القنطار ووراءه
المرافس في معصرة المسيقى

الدكش في يد محمود سلّوم والى
جانبه انيس الحلبي ووالده اسعد ، في الخلف : امين
الحلبي
عندما يتكوم العنب المعد للعصر في المرفس
يقوم صاحبه برش الحوارى وبنثرها وتوزيعها عليه. يلقى
التراب الأبيض
على
العنب المكدس في المرفس حتى اذا قام الأهالي بعصره
يذهب مع العنب
المعصور بواسطة قناة حجرية الى الجورة
المقعرة في الصخر. أما فعل
الحوارى فهو تنقية وتصفية العصير بجر الرواسب
والقشور الى القعر. وذلك
نظير فعل الكلس والرمل في أيامنا لتصفية وتكرير
المياه
.
وكم كنا نغتبط عندما كان والدي يدلنا على مكان هو في
مثابة مقلع صغير من
التراب الأبيض الخشن فنروح نحفر فيه ونستخرج منه
الحوارى وننقل ذلك
التراب الأبيض الى المعصرة. أما تراب الأرض العادي
فلا نفع فيه.

شلّ السّلق: اسعد الحلبي الشيخ
ناصيف القنطار - بو فريد - ليلى توفيق واحمد بو
حمد القنطار وأمين الحلبي
أما كيف يعصر العنب فإليك الطريقة البدائية الأساسية
التي كان يتبعها الناس: يغسل الرجال والفتيان أرجلهم
قبل الهبوط الى المرفس ويروحون يدوسون
بأقدامهم عناقيد العنب هازجين فرحين بما يقومون به
حتى لا تبقى حبة واحدة من العنب لم تعصرها أقدامهم.
وقد يستغرق الأمر وقتا غير قصير حتى إتمام
المهمة وحتى تسيل العصارة كلها الى "الجورة"
الحجرية. ثم يحملون الى
المرفس
معصرا يسمونه مكبسا في شكل ملزمة ذات شقين يشد
أحدهما الى الآخر بواسطة مفتاح او شبهه يجعل بينهما
ما يراد الضعط عليه. وهنا يجعل في الملزمة ما بقي من
عصارة ولا يبقى فيها سوى الثفل
(بالثاء) والعامة
تقول "التفل" (بالتاء)، الذي يرمي الى الخارج
ثم ينتظر الأهالي وقتا يكون فيه العنب المعصورقد
أصبح صافيا نقيا لا كدر
فيه فيسارعون الى نقله بواسطة مسراب (قسطل) من
المعدن
(التوتيا)
يصل
الى الخلقين المعد لاستيعاب عصير العنب. أما ما
يتبقى في قعر الجورة بعد
نقل المعصور الى الخلقين بتؤدة فيترك لصاحب المعصرة
الذي ينقله مع الحوارى الى كيس من القنب (الجنفيص)
يحكم إقفاله ويمدده فوق جورة مقعرة
أيضا فينساب ما تبقى من عصير العنب ويكون ملكا لصاحب
المعصرة الذي
قدم المكان والأوعية ولوازم المعصرة كلها والمكان
الذي ينام فيه القاطفون
والكرامون حتى انتهاء عملهم ونقل دبسهم الى بيوتهم.

تحضير تحميل الدبس على ظهور الدّواب : الشيخ توفيق
يرمي الشّبحة على ظهر الدّابة لتحميل الدبس وبجانبه
الشيخ سليم الحلبي والسيد عزّو عازار من عينطوره
1974
2
بعد أن ينقل السائل الى المرجل الكبير وهو الخلقين،
يشرع الأهالي بإضرام
النار من فتحه في حائط تصل الى أسفل الخلقين وتتخذ
شكل موقد. عندما يبدأ
السائل بالغليان، وكي لا يفور خارج الخلقين يقوم
رجل، جالسا على حجر قرب الخلقين وبيده خشبة او عصا
طويلة ذات أطراف كالأصابع بشكل مذراة
يشل بها الزبد الطافح فيمنع السائل من الفوران
والتدفق خارج الخلقين وتقول
العامة إنه "يشلي". وقد يستغرق إشعال النار تحت
الخلقين وقتا يقرر فيه
العارفون أنه ينبغي فيه التوقف عن الضرّام بعد أن
نضج الطبخ فيتوقف
موقدو النار عن إشعالها تحت الخلقين في ذلك الموقد
الكبير ويستمر الرجل
الذي يشل الزبد في عمله حتى يهدأ السائل تماما في
الخلقين. بعد أن يهدأ
الغليان ويغدو عصير المطبوخ فاترا، يعاد ثانية الى
جرن آخر مقعر من
الصخر حتى يصبح باردا. ثم يروح الأهالي يتذوقون
طعمه. وكم كان يحلو
لنا، نحن الأولاد واليفعة، أن نشرب من ذلك العصير
الذي يسمونه المسطار
وبطريقة عكسية ثالثة ينقل المسطار (عصير العنب
المطبوخ) مجددا الى
الخلقين فتضرم النار من جديد. وعند بدء الغليان يشل
بالطريقة الأولى حتى
يؤدي الشل الى عقد العصير بالنار وينضج فيقرر
العارفون، بعد الرؤية
والمذاق، التوقف عن إشعال النار. ثم ينقل هذا السائل
الذي أصبح دبسا
ويسمونه الدبس السائل، الى حفر صخرية نظيفة أخرى
مقعرة، ولكنها ليست
عميقة، بانتظارأن يبرد. ثم يجعل في أوعية تحملها
الدواب الى منزل صاحب
الدبس مع التبريك والدعاء له بالتوفيق. ولا يترك
الدبس هكذا سائلا فصل
الشتاء خشية من فساد وتحول في الطعم. لذلك يلجأ أهل
البيت الى خبطه
بمخباط او باليد حتى يغدو لزجا كما العجين او اللبن
الرائب الشديد فيسمونه
الدبس "المضروب" أي "المطروف". ثم يجعل في جرار او
في خوابىء من الخزف الفخار تقفل بإحكام ليكون الحلو
الثمين مونة الشتاء والربيع.
أما صاحب المعصرة ومالكها، الساهر على إقامة وراحة
الدباسين، فلا
يتقاضى أجورا بل يجمع ما يبقى من السائل العكر في
الأجران ويطبخه دبسا
ملكا له. وحسبه أن يكون الساهرون والدباسون
وعائلاتهم راضين ومسرورين بما قدمه لهم من حسن ضيافة
وتسهيلات..
********
النص من كتاب "أيام لن تعود مع الادب
والدبلوماسيه" للسفير الاستاذ
اديب القنطار
ألصور من مجموعة الاستاذ فيصل القنطار
|