|
المستقبل في 8 آذار
2010
الفنان الكبير أمين الباشا وكتاب عُمره عن العاصمة التي عشقها:
بيروتُ اليوم لم تعُدْ بيروتَ التي أحبّ لكنني مُصمّم على إخلاصي
للسيدة الكبيرة بيروت!
النهار في 08 آذار 2010

بيروت أمين الباشا
"بيروت أمين
الباشا"، مجلّد فخم بالألوان المائية
وبالأسود والأبيض،
صدر للتوّ عن "دار نلسن" في 240 صفحة من الحجم الكبير، حاملاً
توقيع الفنان الكبير أمين الباشا، ويتضمن مختارات رمزية من الرسوم التي
أنجزها عن
العاصمة منذ عام 1953 الى عام 2009. يتزامن الإصدار مع احتفالية
بيروت عاصمةً
عالمية للكتاب، وهو تحية للمدينة، مسقط الباشا، التي لم يترك روحاً فيها، أو
إيقاعاً، أو شارعاً، أو بيتاً، أو قرميداً، أو باباً، أو شبّاكاً، أو
قنطرةً، أو
شتاءً، أو صيفاً، أو خريفاً، أو ربيعاً، أو شجرة، أو ترامواياً، أو
مقهىً، أو
ساحةً، أو لقاءً، أو مسبحاً، أو حديقةً، أو بحراً، أو تلةً، أو
عصفوراً، أو طفلاً،
أو شيخاً، أو فتى، أو فتاة، أو بائعاً، أو باراً، أو زقاقاً، أو
وشوشات، أو آهات،
إلاّ التقطها بعينه الشاعرة وبريشته الأكثر شعرية. كأن المدينة تُحفَظ
في كتابه من
كل الشرور والنسيانات التي تحيق بها. من الكتاب، كلمة جمانة حداد:
ليست
بيوتاً ولا شوارع ولا هي
ذكريات، إنما نسيج الخلايا في جسم الروح. قد يقول المرء
إنها
عطرٌ يُشَمّ بالعين أو يُرى باللمس.
لكنها لا. أكثر أكثر، ينبّهنا صوتٌ
صارخٌ
من فمٍ غير مرئي.
قد تكون عصفورةً تعبر في أزقة الهواء الممسوس باهتزاز
النشوة.
قد تكون قطةً تتلوّى تحت شمس آذار، أو في نيسان، أو أيضاً في أواخر
الصيف.
قد تكون ديكاً يصيح بامرأة خلف شبّاك، يأخذها نعاسها المستلذّ الى
فراش
شهوة، وليس من عشيق عندها سوى عشق نفسها لنفسها.
قد تكون غلطة حبٍّ تعيد غلطتها
كل
ليل، لتولد في فجر كل ليل.
قد تكون سماءً نزلت الى الأرض لتتنزّه خارج
فردوسها، بحثاً عن فردوس موازٍ، ليس يُحصَى جمالُه.
قد تكون إلهة الزبد، ولم يعد
في
مستطاعه أن يستردّ آهته من
فرط رغبة الآهة في أن تكون ذاتها محرَّرةً من كل
ذات.
أن تكون ذاتها محرَّرةً من كل ذات.
قد تكون الندى وقد صار غيمةً تسترق
النظر
من عريها الى عريها.
قد تكون صخرةً مشتاقةً الى ما يدغدغ جروحها، وليس ما
يدغدغ الجروح سوى ملح الرغبة وقد آن أوان اكتماله.
قد تكون قمراً على نهدين، أو
نجمةً
على فم بئر.
قد تكون قرميداً يهوي على قنطرة من شدة الهوى المتشرد بين
القرميد والقنطرة.
وماذا تكون أيضاً؟ ماذا تكون "هذه التي" تأكل أمين
الباشا؟
أتكون حلماً واقعاً أم طفولةً أم كنزاً مرصوداً في كفّ شهوة أم تكون
حياةً ذهبت الى غير رجوع؟
لستُ أدري.
...
لكني أدري. تماماً كما يدري العصفور
أن
يحلّق بآهات جناحيه لا بجناحيه. وكما يدري أن يحطّ لا من تعبٍ وإنما من
شهوة
نزولٍ
على ليونة غصن.
فهي له، أولاً، امرأة.
مغويةً، قدريةً، لا تقاوَم.
طالعة
من تاريخها لتنام في لوحته. ابتسامتها الماكرة لا تخفي عذابها. ندوبها
لا
تحول
دون الجمال. بل هي الندوب
تخترع لها جمالها، كمثل جغرافيا الحياة محفورةً على
اللحم
الحيّ. وتحكي.
كسلى تارةً، تتلوّى قطةً في ألوانه السبعة، فتمنح كل لون
حياةً من حيواتها.
مدوِّخة طوراً من فرط حركتها، حتى لتسمّى العاصفة تيمّناً
بها.
شموخ، وإن هوجاء. فاجرة، لكن فجورها يليق بها (وتعرف، ويعرف، أن لا
يليق
بسواها). مغريةً عن سابق تصميم، ثم بمعزلٍ عنها. وفي الإغراءين شيءٌ من
خفرٍ مدروس،
فطيّب، فحارق. فخذاها المفترّتان عن بركان يغلي في خياله، تسترقان
النظر اليه بين
زلّتي ضمير، وتومئان له أنْ تعال. فيجيئها. وإذ يجيئها يجد كل نفسه.
شهوتها
حريته. مخلوقة لأجله،
يهمس له نرجس روحها، على بعد هنيهة من الكمال، وهي النقصان في
تمامه.
من شبابيكها المقنطرة يطلّ على رأسه. شوارعها لكي تتحقق نبوءة ماضيه.
مقاهيها لكي يروي المسافة الضائعة بين رعشته ولذتها. من عري منحنياتها
يسرق خطوطه
والظلال. وعندما يضرب البياض بسهم ريشته، لا يتقصد طريدةً إلاّها.
لكنه إذ يصبو
إليها، لا يهمّه أن ينال.
وهو، لأجل ذلك، صيّاد فنّان، وفنّان صيّاد.
هي
امرأة أولاً.
وفي الأخير والأول، امرأته هو.
وقد يسمّيها أحدهم امرأة الباشا
الأمين، يشمّ عطرها بالعين، ويرى جسمها باللمس، و... ينامها باللون.
هي امرأةٌ
فحسب، وتُدعى بيروت.
جمانة حداد
(joumana.haddad@annahar.com.lb
ص 17
|