DIVERS


 


  

 

"الانوار": السبت 3 اذار 2010

 الست عنبرة سلام الخالدي

املي نصرا لله                                                                                                                                              

          
               

لقد أخذ عليّ بعضُ النقاد والقراء لدى صدور كتابي: (نساء رائداتٌ من الشرق ومن الغرب) أني فيما بقيتُ موضوعية في تقديم معظم شخصيات الكتاب، إلا أني سقطت في خطيئة الإنحياز لعدد قليل منهن، وأُعطي اسم السيدة عنبرة كمثال.
* * *
واعترفت في حينه، بأني حيالها، لم أتمكّنْ من البقاء على الحياد. فقد انحزتُ اليها من صميم أعماقي، وبكل قناعة، خصوصاً عندما كتبتُ بأني (ولكي أرسم شخصيتها، احتاجُ الى ريشة من بلّور، والى ألوان أثيرية، ومدى لا يحد من النور والشفافية)... ذلك ان تلك السيدة اللطيفة كنسمات العشايا الصيفية، والخفيفة الظل كطيف. خطر، والممتلئة نكهة وعذوبة كثمرة استوائية، والمشعة بأنوار روحية... تلك السيدة، كانت توحي بالجلال والهيبة. ويشدك اليها فيضٌ من سحر شخصيتها، فلا تعود قادراً أن تبقى محايداً، فلا تنضم الى حزب محبّيها. وكنتُ من ذلك الحزب المقدر لشخصيتها المتميّزة بالبساطة والرقة، والتحرّر والحزم، الى كونها تمثل جيل رائدات كنا نتمثل بهن، ونتابع أخبارهن بشغف، وكأننا نلجُ عالم الأساطير.
* * *
باكراً جداً، وعت عنبرة سلام معنى التحرر الإنساني لا النسائي فقط، فتصدت وواجهت، وبرغم كل العقبات، تغلّبت، وكان يدعم مسيرتها محيط عائلي تميز بالوعي الوطني والحضاري.
* * *
وهي ابنة سليم علي سلام، أو أبو علي سلام كما عُرف بين مواطنيه. وكان زعيم قومه ويتمتع بحكمة ورحابة صدر. وأمها كلثوم من أسرة البربير العريقة، وكانت متعلمة، وهذا نادرٌ في زمانها.
ومع ان الست عنبرة كانت تعطي والدَها الفضل الاول في دفعها نحو التقدم في العلم والتحرر، الا انها ظلت تعترف بدور الوالدة في تفتح وعيها، وشحذ طموحها.
* * *
صغيرة جداً كانت الفتاة الشقراء، ذات العينين الخضراوين، دائمتي البحث والتقصّي، حين وضعت قدمها على طريق الاستقلال.
وهي واحدة من أحد عشر مولوداً تتألف منهم عائلة أبو علي سلام، ثمانية بنين، وثلاث بنات، وعنبرة من الحبّات التي تتوسط العقد. وقد رسمت صوراً معبّرة، وإن مختصرة، لافراد عائلتها في كتابها (جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين). ومن خلاله يطّلعُ القارئ، لا على سيرة آل سلام وحسب، وإنما على نمط من الحياة السائدة في بيروت، بل في لبنان، في حينه.
يقول المؤرخ كمال صليبي في تقديمه للكتاب: (من الآن فصاعداً، لن يكتب تاريخ بيروت، في العصور الحديثة، من دون الرجوع الى مذكرات (الست عنبرة). ولن يكتب تاريخ النهضة النسائية في العالم العربي الحديث، من دون الاعتماد على هذه المذكرات بالذات).
حقاً، لن يكتب التاريخ، من دون ان يبرز اسم المرأة، والمرأة من وزن سيدتنا الكريمة والتي بدأت نضالها في الحياة، مع انبثاق أول خيوط الوعي.


* * *
عاشت السيدة عنبرة النضال السياسي من خلال والدها، وذلك في مرحلة تفتح الوعي، وحين كان الحكم يتربص بالوطنيين، يطاردهم ويقض مضاجع عائلاتهم.
كما عاشت صراعاً آخر مع مجتمع محافظ، بل متشدد مع الفتيات. وكان منزل عائلتها في وسط المصيطبة، أي في قلب البيئة البيروتية المحافظة، وقد ولدت عنبرة في شهر آب من العام 1897، وكانت المرأة لا تزال متوارية خلف الحجب، وتعيش في عزلة عن مجتمعها.
تلقت مبادئ القراءة عند (الشيخة) وعندما ختمت القرآن الكريم في السن العاشرة، أقيمت لها حفلة خاصة للمناسبة. ثم تابعت دراستها في مدرسة تنتمي الى جمعية (ثمرة الإحسان) وكانت، في تلك المرحلة، متأثرة بشخص يحث الفتيات على التعلم، وهو أحمد مختار بيهم. وزيادة في التشجيع، دأَبَ على تقديم ساعة ذهبية للمتفوقات، وكانت الساعة من نصيب عنبرة في احدى الجولات.
* * *
وكانت عنبرة طفلة لا تجاوز العاشرة من عمرها حين بدأت تتسرّب الى سمعها كلمات تهديد، وملاحظات قاسية من نساء تصادفهن في الشارع ولا يرضين عن انطلاقها. وكتبت في مذكراتها من تأثير ذلك: (دخلت السور الحديديَّ وأنا في العاشرة من عمري، أتعثر في مشيتي ضمن إزاري، وانضممت الى أمي وجداتي اللواتي سبقنني اليه).
وما ضايقها من انضمامها باكراً الى مجتمع النساء، انها منعت من مجاراة إخوتها في اللعب، والقفز في الحديقة وتسلّق الأشجار.
* * *
لكنها تابعت طموحها ودراستها في مدرسة (مار يوسف) ثم في المقاصد بعدما تسلمت ادارتها، وخلافاً للتقليد، سيدة مسيحية هي جوليا طعمة. ولما لاحظ والدها شغفها بالعلم والمطالعة استدعى اثنين من كبار الأساتذة كي يتابعا تدريسها في البيت: الشيخ عبدالله البستاني للغة العربية وقواعدها. والاب يوسف الزهّار للعلوم. وتولّت استاذة تدريسها اللغة الفرنسية، وثانية لتعليمها الموسيقى.
هذه الخلفية الثقافية، مضافة الى خبرة الصبية من خلال رحلات الخارج، ثم تشجيع معلمتها وصديقتها جوليا طعمه لتقرأ، وتتفتح على انعتاق المرأة، وهذه كلها عناصر ساعدت في تكوين شخصيتها المميّزة. والى جانب اعجابها بالست جوليا، وكانت تمدها بالكتب الممنوعة في حينه مثل كتاب (المرأة الجديدة) لقاسم أمين، فقد أعجبت بشخصية هدى شعراوي في مصر.
* * *
ومنذ سنوات المراهقة، بدأت سيدتنا تكتب، وتعبّر عن آرائها. وتتساءل في مذكراتها: (كيف كانوا ينشرون رسائلي ومقالاتي وأنا ابنة ست عشرة سنة? أتراه شوق المفكرين والقرّاء الى سماع صوت المرأة).
وفي هذه المرحلة ايضاً، راحت تساهم في إنشاء جمعيات نسائية مثل جمعية (يقظة الفتاة العربية) و(النادي الاجتماعي للفتيات المسلمات). كما اشتركت مع الأديبة سلمى صايغ في تأسيس (جمعية النهضة النسائية) وكانت تُعنى بتشجيع المصنوعات الوطنية.
* * *
ولا يسعني، وأنا أتابع صمود هذه السيدة، فوق سلالم التقدم والرقي، إلا ان اشير الى حدثين في حياتها شكلا صدمة انطبع أثرها في اعماقها: الاولى إعدامُ خطيبها المناضل عبد الغني العريسي، صباح السادس من ايار عام .1916 وكان من شهداء الدفعة الثانية. ثم وفاة أخيها محيي الدين، وهو لم يجاوز العشرين من عمره.
لكنها تعاملت مع المأساة بكثير من التعقل والحكمة، وانصرفت الى متابعة سعيها على دروب التحصيل العلمي، فسافرت الى انكلترا حيث قضت سنتين درست خلالهما اللغة الانكليزية والأدب، ثم أسلوب العيش والنظام. وحين عادت دعتها جمعيتها كي تلقي محاضرة حول انطباعاتها الشخصية. وكان الجمهور مختلطاً، والمحاضرة مفصلة وتستغرق ساعتين، مما دفعها الى ان تستشير والدها في أمر سفورها، فكان جوابه: (تصرّفي حسب ما ترينه مناسباً). ووجدتها فرصتها الذهبية للإنعتاق من نقابها. وانطلقت بعد ذلك تخطب في المؤتمرات النسائية المنعقدة في لبنان أو في الخارج.
* * *
هذا التألق الثقافي والاجتماعي كان لافتاً. وكان هناك شاب يرصد نشاطها من بعيد. ثم كتب يخطبها من إخوتها، وكان الرد سلباً. عندها لجأ الى صديقتها جوليا طعمه دمشقية، التي دعتها الى الغداء. وحضر أحمد سامح الخالدي خصيصاً من القدس الى بيروت ملبياً تلك الدعوة، ولكي يتعرّف الى الأديبة المتألقة.
* * *
وكان أحمد شاباً وسيماً، مثقفاً، واسع العلم والمعرفة، واثقاً بنفسه، ويشغل منصب مدير الكلية العربية في القدس، كما انه المسؤول الاول عن التعليم العربي في فلسطين.
وكانت مصارحة بين الاثنين، خلال لقاءات تالية، الى أن عُقد القرانُ في القدس بتاريخ 9 آب عام 1929 بحضور الأهل، وبحسب التقاليد بأن يكون العقد في مقر العريس.
* * *
وهنا تبدأ مرحلة النضج الفكري والادبي. كما تبدأ مسيرتها كأم مثالية. وأقبلت بحنو وشغف على حضن طفلي أحمد - سُلافة ووليد - وتقول في ذلك: (... وأنا اعتقد انني أمٌ قبل أي صفة أخرى، ولهذا فقد انسجمتُ مع طفليّ هذين كل انسجام، وكانا سبباً في اضفاء البهجة على البيت، واضفاء مسؤولية على عاتقي، محببة الى نفسي).
* * *
ورافقت السيدة عنبرة نضال زوجها على الصعيدين: الثقافي والسياسي، إذ دخلت القدس وهي تشتعل. وفي العام 1936 تشردت مع عائلتها مرتين. وشهدت الانتفاضات الوطنية في حينه، وكانت مع زوجها في موقع القلب النابض من تلك الحركة.
وقد رُزقتْ من زواجها بأحمد الخالدي أربعة أولاد هم: اسامة ورندة وطريف وكرمه الصغرى، وقد توفيت في الاشهر الاولى من عمرها.
وقد بلغ أولادها جميعاً مراتب سامية في العلم، وشغلوا مناصب رفيعة. وحين تتحدث هي عنهم تقول: (اشعر الآن، بأن عليّ أن أذكر شيئاً مفصلاً عن الاولاد، تحدُّثا بنعمة الله، وقد عاهدت نفسي ان أذكر ما لهم من الحسنات والسيئات، بكل تجرد، ولكنني حينما بدأت أكتب عنهم، ضحكت من هذا التجرّد المدّعي، لانني لا أقدر ان اجد لهم شيئاً من السيئات، وهل هذا شأن كل أم فخورة بأبنائها، يا ترى?...).
* * *
بقي أن أذكر ان الست عنبرة لم تتخل عن نشاطها الأدبي بعد الزواج، وقد قامت بترجمة (الإلياذة) لهوميروس وكتب مقدمتها الدكتور طه حسين. ثم أتبعتها بترجمة (إلياذة) فرجيل. وكانت اول سيدة تلقي حديثاً نسائياً من اذاعة القدس، حين تسلم ادارتها الشاعر ابراهيم طوقان. وكان بحثها عن سُكينة بنت الحسين والتي كانت تعتبرها رائدة الوعي النسائي والادب الرفيع.
* * *
بوسعي ان أمضي من دون توقف في الكلام عن سيدة من أهم الرائدات. وقد سجلت سيرهن في كتاب من ستة أجزاء. وأكرر قولي لصبايا هذا الزمان: لولاهن لما كنّا حيت نحن...

* أُلقيت في تكريم لذكرها في لقاء تمّ في مكتبة (السبيل) في بيروت

 

                                                                                                                                                                                  ص 16


 





 


 
 

Espace Économique - Espace Municipalité - Espace Culture - Espace Historique
Contact - Statistiques - Carte - Discussion - E-Cards
  free web site counter

   Designed and Developed by Webserv

                                                                                            Created by C & C Najjar

ع