|
النهار في 30032011

ليـس قاطـرة بـل قطـار
"يجب
ألا يعلمنا الأهل كيف نحيا،
لأنهم سوف يعلموننا كيف عاشوا".
ريلكه
لانه حقا هكذا
عالم مقلق وأرض خائفة. زلازل فوق الارض، وزلازل تحت المحيط. وفوق الارض
كائن مثل
عصافير الشتاء، محاصر بالبرد والعراء. لعلها ديموقراطية الخوف، أو
العدالة في
الفزع، من فوكوشيما حيث يصنع الياباني الروبوت لخدمته في المنزل، الى
صنعاء، حيث لا
يزال الانسان يزرع جنته في حقول القات.
تساءل صحافي في باريس اذا لم يكن الغرب
قد "اخترع" حرب ليبيا، من أجل تحويل الناس عن الرعب النووي في
فوكوشيما. طبعاً،
الصحافي عربي وملقح بثقافة المؤامرة. فالانسان المولود في الشرق يحمَّل
الآخر
مسؤولية كل شيء كي يستطيع النوم في هدوء، ويدفع عن وجهه غطاء المسؤولية.
لم
نستطع ان نستوعب حتى الآن ما جرى في المنطقة التي سماها ابن خلدون،
الاقليم. من
المغرب الاقصى والاوسط والاقرب، أي جميع بلدان شمال افريقيا، الى اطراف
الجزيرة
العربية، في عدن وشبوه. نرفض ان نصدق ان المسألة هي عندنا، جذوراً
ومحاصيل. جذوة أو
حرائق. أخشى أننا على أبواب نكسة أخرى لا على عتبة ولادة جديدة. فقد
اختلطت الثورة
بالفوضى، والفوضى بالحرب، والحرب بعودة المنطقة الى صراع الامم ومناخات
التدويل.
وقد وقف النظام العربي حائراً وعاجزاً أمام مرآته. وفجأة أكتشف ان
مرجعيته في الازمات المستعصية لا تزال في الخارج، وانه لا بد من دور
دولي ما، من
مسألة كبرى كالحرب الليبية، الى مسألة اهلية كالحكومة اللبنانية. لم
يستطع النظام
العربي ان ينشىء مرجعية لنفسه. وهو يتهاوى قبل نهاية الرحلة في البحث
عن
الذات.
أنهى العرب أنظمة النكبة بالنفي أو الاغتيال، لكنهم أقاموا مكانها
أنظمة
النكسة. وفي الحالين نسوا ان يديروا شؤون الناس وان يلحقوا بضرورات
الجيل. وهكذا
قامت شعوب من الخاسرين واليائسين وطالبي الهجرة على اعتاب البلدان. ليس
ثمة شك في
نيات العسكريين الذين ارادوا تحرير فلسطين، لكن المشكلة كانت في مدى
الكفاية، كما
كانت في الثمن الذي دفعه المجتمع العربي، بذريعة ذلك، من ترَّد
اقتصادي، وتخلف
علمي، وتحجر في الممارسة الديموقراطية.
يقول أمين معلوف في "اختلال العالم"، إن
المكان الذي احتله عبد الناصر في قلوب العرب كان يمكنه من ان يأخذهم
الى أي نظام.
لكن الناصرية افتقرت الى شيء أساسي في حريات الشعوب، وهو القليل – على
الاقل – من
الديموقراطية. أطاحت 25 يناير 23 يوليو، فيما رفع الليبيون الاعلام
الملكية، عندما
تذكروا ان ادريس السنوسي اقترض من الدولة 400 جنيه استرليني، نفقة علاج
في تركيا،
وعلموا ان اميركا جمدت 33,5 مليار دولار من حسابات بطل الثورة على ذلك
العهد
البائد!
لا أحد منا يدري الى متى سوف تظل حال الاختلال قائمة في المنطقة
العربية
ولا الى أين ستؤدي. والسبب أننا لسنا في ازمة حكومية عمرها بضعة اشهر
بل نحن في
ازمة نظام عمره نصف قرن. ركب القذافي عربة عبد الناصر وذهب بها الى
شرفة نيرون.
وتحول عبد العزيز بوتفليقة من ثائر يسدل شعره على طريقة غيفارا الى
رئيس يمدد لنفسه
وينوي توريث شقيقه. وقبع علي عبدالله صالح 33 عاماً قبل ان يخضع لمبدأ
الخروج، وسط
صرير ساحات صنعاء وازقتها المتمادية في الفقر، المغالبة للعوز.
نشبه، على نحو
محزن، اسبانيا الثلاثينات. تلك التي قال خوسيه اورتيغا إي غاسيت، إنها
ليست اسبانيا
التي ينبغي ان تكون بل اسبانيا التي اخفقت في ان تصير نفسها. جوهرة
مرمية في
الرماد. يطرد القرويون اللعنات بأن يرددوا الاغاني الشعبية بالمقلوب.
هكذا يقرأ
العرب تاريخهم اليوم. وكم أشعر بالنضوب، الشخصي والوطني، عندما اترحل
دائماً الى
الماضي بحثاً عن مقارنة، أو شهادة، أو اثبات. واصبحت اعتقد ان هذه مجرد
تقاسيم على
ايقاع الحنين، تسلي أصحابها وتعزي خيباتهم، ولا تفيد في نفع.
جميعنا نخشى ان
تتحول بعض الاضاءات التي تبدو هنا وهناك، الى ظلام جديد. فالظلمة، مثل
الظلم، موت.
تعبَّد الانسان الاول الشمس وهام بالقمر واستضاء طريقه بالنجوم. وسمى
كل معرفة
نوراً. أليس من معالم الظلام ان العرب صاروا يتحدثون عن الفتنة وكأنها
لازمة في
اغنية؟ أليس من طلائع الظلام اننا كنا نطلب وحدة الأمة فصرنا نشتهي
وحدة البلدان؟
اليس رفض الحوار، جداراً من العتم نقيمه بيننا وبين الآخر، باعتبارنا
نملك الحق
المطلق والسدة العليا؟
انهكتنا عقدة المؤامرة وثقافتها. يقول أمين معلوف ما
خلاصته: لو ان عبد الناصر أقام دولة الحق ووضع حداً للفساد والمحسوبية
والتدخلات
الخارجية، لكانت كل الطبقات ستسير معه. لكنه آثر ان يلغي النظام
بكامله، ويقيم نظام
الحزب الواحد، بداعي ان الاختلاف يفتح فجوة يستفيد منها الاعداء،
"فبلاده كانت منذ
أجيال عدة تعيش في خشية دائمة من المكائد الانكليزية". تعلم نهرو في
أوكسفورد وفي
سجون الانكليز، كيف يحاربهم. واستطاع ان يقيم في أكثر دول العالم فقراً
وتخلفاً
أوسع نظام ديموقراطي في التاريخ. إلاباء الوطني، والحرب على الفقر،
والتحالف مع
السوفيات في وجه الغرب، لم تؤثر في خياره الداخلي من أجل شعبه.
حارب عبد الناصر
الشيوعيين والاخوان المسلمين في حدة واحدة، لكنه قلد موسكو في النظام
الداخلي،
والغى البورجوازيات الصغيرة المنتجة، وطفق يصارع القوى الاشتراكية
والرأسمالية، في
انحاء العالم العربي، محاولاً اطاحة الملكيات والانظمة الثورية معاً.
وعندما استعاد
حصاد المرحلة وتأمل ما حدث، من انهيار الوحدة مع سوريا الى كارثة 5
حزيران، كان
الوقت قد تأخر. فقد وهنت مصر، ودب الضعف في الرجل الذي خرجت تودعه قبل
ان يتسنى له
تصحيح ما مضى.
حاولت كل الانظمة، على نحو أو آخر، تقليد عبد الناصر، ووراثة
شرعيته السياسية. وبدت الصورة مشوهة، وأحياناً هزلية، كما في حال "أمين
القومية
العربية" الليبي. فقد استخدم عبد الناصر في الدرجة الاولى سحره الشخصي
في حين ان
الحاكم الليبي "يتكلم من بطنه" كما يقول سامر ابو هواش، في "الملحق" في
دراسة ممتعة
لتكوينات الشخص.
من الخطأ التخيل، أو التصور، ان الذين رفعوا شعار الحرية في
ميدان التحرير، أو الذين اتكلوا على القصف الغربي لكتائب القذافي،
يطلبون عالماً
بلا عروبة أو امة متحررة من هاجس فلسطين. لم تستطع اربعون عاماً من كمب
ديفيد ان
تقنع المصريين بـ"التطبيع". وتظاهرات عمان، التي كادت تحل محل بيروت في
ازدهارها
ونموها، تطالب بالغاء اتفاق وادي عربة.
يقول المثل الانكليزي عن سيىء الحظ "يصل
دائماً متأخراً عشر دقائق وناقصه عشرة بنسات". أيقظ محمد البوعزيزي
النظام العربي
وهو في جلسة قات طويلة. ظل حسني مبارك حتى ساعة مهاجمة قصره يعتقد ان
المسألة يمكن
ان تنتهي في ساعتين. أو ثلاث. وكلما حاول أحد من خلصائه ان ينقل اليه
الحقيقة، مُنع
من دخول القصر. وفي النهاية دخل عليه الدكتور حسام البدراوي وقال له:
تذكر
تشاوشيسكو باريس. خلاص!
كان سهلاً على الريَّس ان يتذكر صديقه الروماني الذي لقن
الزعماء العرب دروساً في تحويل الناس الى قرد لا يرى ولا يسمع ولا
يتكلم. ولكن في
لحظة ما افاقت رومانيا دفعة واحدة. ولا شك في أن مصر أكثر تحضراً، فسوف
يحال الرئيس
على قضاء مدني لا على مسدس، تقبُّح الثورات نفسها عندما تعتمد قانون
الكولونيل
لينش: محاكمة غوغائية وتعليق على أقرب شجرة.
سوف أنقل عن اورتيغا مرة أخرى، وهو
ان النقد سبيل من سبل ممارسة العمل الوطني. لعل جنابكم تذكرون انني
عندما كتبت عن
احداث تونس وضعت للمقال عن محمد البوعزيزي عنوان "عربة أم قاطرة". ما
بدأ في تونس
شعلة عفوية مأسوية، تحول الآن الى حملات دولية مسلحة والى حروب عربية
مضمرة والى
نزاعات مفتوحة. فكل من معه حمولة وضعها على هذا القطار الذي لا يزال
تائهاً، لا
لائحة بالمحطات ولا جدول بالوصول.
تبعثر التغيير في مكان ويسير في آخر. نموذجا
الاسراع في تلبية مطالب الاصلاح كانا في قرارات ملك المغرب محمد السادس
والرئيس
السوري بشار الاسد. كلاهما نقل البلد من مرحلة الأب الى مرحلة الأبن.
من لزوميات
القرن الماضي الى ضرورات القرن الحالي. في حين تغرق ليبيا واليمن في
الدم والمجهول
وفكر الستينات الذي كان خارجاً من عالم خرج من حربين عالميتين ليدخل
صراع الحرب
الباردة وحروب الاقاليم.
سمير عطاالله
|