|
"النهار": الاحد 21 حزيران 2009
بلا مَرْبى!
عندما كتبتُ في العدد الفائت من
"الملحق"
مقالي "لم أربح لم نربح بعد"، كنتُ أعرف ما هي المعايير التي عاهدتُ
نفسي
على الأخذ بها في حياتي، ووضعتُها شروطاً وأسباباً للربح والخسارة
عندي. منها، على
سبيل المثال لا الحصر، المعيار - الشرط - السبب الآتي:
عدم معرفة المرء لحدود
نفسه،
واعتداؤه المعنوي والمادي على الحرية الشخصية (حريته هو، وحرية الآخر)،
وإتيانه أعمالاً سياسية ومجتمعية متخلفة، و"لا تربوية"، تتصل
بـ"التسلبط" على
الناس، ومحاولة "إقناع"
الأفراد والجماعات بلزوم انتخاب أفرقاء أو مرشحين محددين،
تحت
ذرائع بدائية ضيقة، عشائرية المفاهيم، ومصلحية في الغالب، كانت من
العلامات
الفارقة التي عايشها كثرٌ منا، بألم وغضب، خلال المرحلة الانتخابية
الآفلة.
البعض "بلا مَرْبى" كلياً أو جزئياً، فتصل به الوقاحة وقلة الحياء
وعدم
الاحترام، الى حد الإيمان
بأن من حقّه عليكَ أن تنتخب كما يريد.
البعض الآخر
يغلّف "عدم المَرْبى"
بنوعٍ من اللياقة المحرجة، لكنْ المفضية الى النتيجة
نفسها.
كلاهما يلغيان شخصكَ وكرامتكَ ومعناكَ، وأيضاً معياركَ العقلي
والفكري
والثقافي والسياسي والأخلاقي في العملية الانتخابية، إلغاءً نهائياً.
كلاهما يسمحان
لنفسيهما بأن يطلبا منكَ، على سبيل المثال لا الحصر، الأول بأن تنتخب
ضد
اقتناعاتكَ، ولصالح اقتناعاته ولائحته، باعتباره مرجعاً وصاحب رأي راجح
وحكيم
ومقنع، والثاني بأن "تجيّر" بعض الأصوات الانتخابية، أخذاً ببعض
الاعتبارات "اللائقة".
في الحالتين، عليكَ أن تفعل ذلك، لا لأنكَ "مقتنع"، بل لأن ثمة
مصلحة لهذين البعضين، ولعائلتكَ، ولحلفاء عائلتكَ، في الانتخابات
البلدية المقبلة.
اعتقاداً منهما، أنكَ، في ضوء ما يسمحان به لنفسيهما عندما يطلبان منكَ
هذا الطلب،
ستسمح
لنفسكَ بأن تطلب من الذين يوافقونكَ الرأي السياسي والانتخابي، تنفيذ
عملية
الانتخاب أو "التجيير" المخزية، انطلاقاً من اعتباراتهما.
يعرف البعض الأول
والبعض الثاني، وغيرهما
من البعض الكثير، معرفةً تامة، أنكَ، بسبب احترامكَ لسلّم
قيمكَ
ومفاهيمكَ الديموقراطية، لا يمكنكَ أن تسمح لنفسكَ بأن تطلب لا من
شخصكَ، ولا
من شخص عزيز عليكَ تنفيذ هذه الرغبة.
هما يعرفان تماماً، كغيرهما ممن يجب أن
يعرفوا، وهؤلاء كثر، أنكَ كنتَ قد فرّطتَ في ما مضى بالجاه المادي
والمعنوي،
وبالمراكز، وبالمصالح المختلفة، احتراماً منكَ لهذا المبدأ. ويعرفان
استنتاجاً،
وتالياً، وبالبداهة، أنكَ على استعداد طبيعي، بديهي، ثانيةً، وثالثة،
وهلمّ،
للتفريط بكل مصلحة شخصية أو عائلية أو فئوية، احتراماً للمبدأ نفسه.
لماذا أثير
هذه المسألة الآن، وقد
انطوت المرحلة الانتخابية، ولم يعد ثمة سببٌ موضوعي ضاغط
عندي
في اللحظة الراهنة للكلام في هذا الموضوع، علماً أنه يؤدي الى استمرار
التأجيج
المريض والى "تمديد" المناخ الانتخابي المقيت، وخصوصاً ما يرتبط منه
بالانقسام
العمودي للبنانيين، بين مؤيد لهذا ومناهض لذاك؟
السبب بسيط وغير بسيط في الآن
نفسه.
فصحيحٌ أني أريد تجاوز القضية، لكن الصحيح أني لن أتجاوزها بنسيانها،
أو بطمر
جمرها
تحت الرماد، ثم تأجيجها عشية كل استحقاق سياسي انتخابي مقبل.
في الحقيقة،
أنا أريد أن أفقأ هذه
الدملة الآن، وتحديداً عشية الاستعداد لانتخاب رئيس لمجلس
النواب، ولتأليف الحكومة
العتيدة. وإذا لم أفعل ذلك، أكون كمَن أهين نفسي، وأقلّل
من
احترامي لها، فأنضمّ، واعياً، الى جوقة الذين يساهمون، كل مرة، في
المراوحة ضمن
الدائرة المغلقة نفسها. بل أكون أنضمّ الى الجوقة القطيعية الكاملة
التي تتخذ
موقفاً أو ترفع شعاراً، ثم تغتاله بعد قليل.
لا تسخروا منّي. ولا تضحكوا عليَّ.
فنحن ليس عندنا "تربية" مدنية. ولا "تربية" وطنية. ولا "تربية"
سياسية. ولا
"تربية"
ديموقراطية. ولا "تربية" مجتمعية. ولا "تربية" ثقافية. ولا "تربية"
عمرانية
وبيئية (تأملوا مثلاً كيف نشوّه البيئة في القرى والفراديس الطبيعية!
تأملوا أيضاً
كيف نتحدى الإشارات الحمراء! وكيف نرمي النفايات من شبابيك سياراتنا!
وكيف لا نحترم
الوقوف في الصفّ). جميعنا نهين أنفسنا ونهين الآخرين، لأن أهلنا،
ومدارسنا،
والأساتذة، وأصحاب الرأي فينا، والقانون، والنظام، لم يحسنوا "تربيتنا".
لا
تسخروا منّي. ولا تضحكوا
عليَّ.
فنحن ليس عندنا "تربية" أخلاقية.
كلّ مَن
يسمح لنفسه بالاعتداء
الجاهل أو العارف، على نفسه أو على الآخر، مادياً أو معنوياً،
يجب
معاقبته. وأقصد "تربيته". لكي لا يعود يسمح لنفسه بالقيام بذلك.
كلّ مَن لا
يعرف حدود نفسه، يجب
معاقبته. وأقصد "تربيته". لكي يصير يعرف حدود هذه النفس، فلا
يتخطاها.
كلّ مَن يعرف، ويعتدي على حرية الآخر، وديموقراطيته، يجب معاقبته.
وأقصد
"تربيته". لكي يتوقف عن الاعتداء على الآخر.
ما جرى في العملية الانتخابية
من
أمور مشينة، كالأمور التي جئتُ على إثارتها في بداية هذا المقال، لا
يشمل الناس
البسطاء الذين لا يعرفون حدودهم فحسب، بل يشمل خصوصاً الناس العارفين.
هذا يعني
أن مأساتنا "التربوية"
فظيعة، ولا حدود لاستشرائها. وهي الى تصعيد وتصاعد وانتشار،
وستلامس بعد قليل حدود اللاشفاء.
لماذا أثير المسألة قبل تشكيل الحكومة العتيدة؟
لأني أريد أن "أحشر" موضوع "التربية" المدنية والوطنية والسياسية
والديموقراطية
والمجتمعية والثقافية
والقيمية والبيئية والعمرانية و... الاخلاقية، حشراً عملانياً
لا
شعاراتياً في البيان الحكومي. على أن تتولى هذه الحكومة، بالحسنى، أو
غصباً عنها
(أي بوسائل الضغط
الديموقراطي)، وضع مشروع قانون مكرّر معجّل يُرفَع بشكل طارئ الى
مجلس
النواب، ليصار الى إقراره في مقدمة الدستور، بل في صلب الدستور. على أن
تُسَنّ
الإجراءات العملانية والعقوبات التي تكفل إنزال بنود هذه "التربية"
إنزالاً
تطبيقياً عاجلاً. وعلى الفور. وعلى كامل الأراضي اللبنانية.
فمَن مِن النواب
الأشاوس، جدداً وقدماء،
يوافقني الرأي، ويتبنّاه، ويعمل بموجبه، بل يجعله مطلباً
ملحاحاً يوازي مطلب المحافظة على الوحدة الوطنية، أو مطلب عدم التوطين،
أو مطلب
ترسيم
الحدود، أو مطلب السهر على الوطن، وحماية استقلاله وسيادته وحريته،
وصون كامل
أراضيه؟
مَن مِن أهل الرأي يرفع معي هذا المطلب العاجل، ويضعه نصب عينيه
وقلمه
وصوته، لكي يصبح مطلباً يقضّ مضاجع الجميع، من رئيس الجمهورية الى أصغر
نفر في هذه
الجمهورية غير السعيدة؟
مَن هم المواطنون والمواطنات وهيئات المجتمع المدني -
أكرر: المواطنون (لا الرعايا والنعاج) – الذين يضمّون عيونهم الى
عينيَّ وقلمهم الى
قلمي وأصواتهم الى صوتي، لإيجاد السبل الآيلة الى جعل هذا المطلب
مطلباً تاريخياً
بكل ما في كلمة "تاريخياً" من معنى؟
واضحٌ أني لا أرفع شعاراً ينطوي على مصلحة
شخصية
أو عائلية أو فئوية.
واضحٌ أني أرفع مطلباً محدَّداً، بيِّن
العلّة.
واضحٌ خصوصاً، الطريق الواجب اتباعه للتخلص من هذه العلة.
وها أنا
أخاطب رئيس الجمهورية.
وأخاطب النواب. وأخاطب الرئيس المقبل لمجلس النواب. وأخاطب
الحكومة العتيدة، وزراء
ورئيساً لمجلس الوزراء. وأخاطب أصحاب العيون والأقلام
والأصوات النزيهة، وإنْ قلّت النزاهة (لا النظرية فحسب بل خصوصاً
العملانية).
وأخاطب الأفراد المواطنين
والمواطنات (لا الرعايا والنعاج) وهيئات المجتمع المدني
والديموقراطيين وأهل "التربية"، داعياً كلاًّ منهم الى اعتبار هذه
القضية قضية
أولى، بل أكثر أهميةً من
بيروت عاصمة عالمية للكتاب
2009،
والى إيلائها ما تستحق من
اهتمام عملاني وتطبيقي.
فلا تسخروا منّي. ولا تضحكوا عليَّ.
فأنا أكره أن
أعامل أحداً بالطريقة
التي يُعامَل بها بعضنا في هذه الانتخابات المريضة.
أكره
أن نكون، كلبنانيين،
مضطرين الى الدوران اليائس في الحلقة "اللاتربوية"
المغلقة.
أكره أن نكون نعاجاً في قطيع ذي كرّاز واحد، أو متعدد الكرّاز.
أكره
أن نظل محتاجين الى
المعاقبة "التربوية".
يا هو، يا سامعين الصوت!
أعطوني بند
"التربية"
هذا، أعطكم بلداً يدهش العالم عن حقّ وحقيق. لا بلداً يدهش العالم
بالخزي
والعار والمهانة.
فعيبٌ يا جماعة. عيبٌ علينا جميعاً (تواضعاً، لا أبرّئ نفسي
أحياناً مما يعادل هذا العيب) أن لا نفعل ذلك. وابتداءً من الآن.
أقول من على
السطوح: نحن شعوبٌ "بلا
مَرْبى"... الى أن نثبت العكس.
وها أنا في انتظار أن
يصبح
الجميع من "أهل المَرْبى"، بدءاً بنفسي.
فلا تسخروا منّي. ولا تضحكوا
عليَّ!
عقل العويط
الدليل الثقافي
ص 2
|