DIVERS






 







 

"السفير": الثلاثاء 28 ايلول 2010

من بينها الوجيه أبو عفيف البعدراني والقبضاي سعيد حمد والحاجة عائشة بكار

«تراث بيروت في الحفظ والصون»: الشخصية المدينية وتحولاتها

 

صورة تعود للعام 1905 تظهر «سوق الفشخة» عند «سوق سرسق» وتبدو في الوسط جميزة باب السراي الشهيرة

 

يوسف حاج علي
 

جاء كتاب «تراث بيروت في الحفظ والصون» كثمرة لثلاث جلسات من أعمال ندوة تحمل الاسم نفسه، تطرقت إلى دراسة منهجية ومتعددة الجوانب والاختصاصات لمنطلقات الشخصية المدينية، وللتحولات التي لحقت بها، والمآل الذي صارت عليه، كانت قد عقدت في العشرين من آذار عام 2009، في فندق «البريستول».
وتبين في محصّلة المداخلات التي تقدم بها أساتذة جامعيون وكتاب وباحثون ناشطون في مجال الدراسات الاجتماعية والانتروبولوجية والمعمارية واللسانية والسيميائية والمسرحية والفنية، بحسب ما تشير مقدمة الكتاب، أن الشخصية المدينية التراثية، أياً تكن المدينة التي أنتجتها وبلورت معالم وجودها ومكوناتها الاجتماعية الثقافية « موجودة بالقوة منطلقاً، وبالفعل ممارسة وواقعاً، دونما حاجة إلى أسانيد. وهي تستمد وجودها من نبض الحياة اليومية لبيئتها المحتضنة، ولأبناء المجتمع المديني الذي ولدت هذه الشخصية فيه، ونمت في كنفه، ولكنها لم تنسلخ عنه، ولم تقطع يوماً حبل «السرة الثقافية معه
 
وساهم المؤتمرون، كل حسب اختصاصه، في رسم الملامح شبه المتكاملة للفضاء المديني الرحب الذي تفتحت على مسرحه مكونات هذه الشخصية التراثية، واستولدت من نسيجه الاجتماعي معالم كينونتها، ونسلت من طبائع أهله وأحوالهم منظومة صفاتها المؤشرة
 
وتضمنت أعمال الندوة عشرة أبحاث موثقة وتقديمين، وتم رفد أعمالها بشهادات حية لفنانين وصحافيين ورسامين ومخرجين ومهندسين وأساتذة جامعيين أدلوا بشهادات حية عن رؤيتهم للمشهد المديني. وقام بجمع مواد «المؤلف الجماعي» وأشرف على تنقيحها وإعدادها، خلال عام، مؤسس «مرصد بيروت الحضري» د. نادر سراج
وقد تقرر طبع الكتاب بهدف توثيق الدراسات الأكاديمية التي أعدها الباحثون كي تكون لبنة لأية دراسة مستقبلية.


تبدأ رحلة الكتاب، الذي يقع في 248 صفحة من القطع الوسط (صادر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» و«مرصد بيروت الحضري» )، بـ«التحولات العمرانية «، إذ يقدم مثالين من التحول في طبيعة الحيز المكاني الجغرافي وتأثيره على تجربة ساكني المدينة، هما الكورنش البحري، وحديقة الصنائع.

ويعرض فصل «التحولات التعبيرية للشخصية التراثية المدينية» ثلاثة مكونات لهذه
الشخصية هي القيافة البيروتية التقليدية التي تتشكل من الطربوش، والـ«قنباز» المقلم، و«الشملة» التي كانت تلف ثنايا القنباز على الخاصرة، والسترة. وآخر من أبرزها كان الفنان الراحل أحمد خليفة (أبو عبد البيروتي). المكون الثاني هو مدونة القيم والأعراف والسلوكيات التي نسقتها الجماعة. أما الثالث فهي منظومة التعابير الشعبية التي تسم حضور هذه الشخصية في أذهان الناس.

ويروي فصل «التحولات
الثقافية الاجتماعية» الخطأ المنهجي في تناول الشخصية البيروتية في قصرها على أهل السنة فيها. ويشرح: «البيروتي ليس واحدا، فهناك السنة منهم والأرثوذكس والكاثوليك أيضا، وهناك الشيعة أقرب الوافدين من الناحية التاريخية إلى بيروت في حاضرنا، إضافة إلى الدروز أقدم ساكني بيروت».
ويتوقف فصل «ميزات الشخصية التراثية المدينية في بيروت» عند سبع محطات أساسية في تاريخ المدينة. وقد دمغت كل واحدة من هذه المحطات بيروت بتطور نوعي ما، ترك أثره واضحاً على مسيرتها الحضارية.

ولناس بيروت مساحة
من مجالات ظهور الشخصية التراثية، ففي القوة والسيطرة هناك «القبضاي» المسيطر على مجموعة من الناس والقادر على توجيه تحركاتهم، و«الجدع» الفرد القوي الجسد صاحب الهمة والمروءة، و«أخت الرجال» المرأة ذات الشخصية القوية والغيرة الاجتماعية والاندفاع الإنساني، و«الزكرت» الشخص القوي العصبي المزاج والميال إلى التطرف في تصرفاته، و«الزمك» الشخص الذي لا يتمتع بقوة جسدية أو مهابة اجتماعية لكنه يبقى مصرا على إثبات ما لوجوده في الحياة العامة، و«الشرشوح» الشخص الذي يتوجه من حثالة المجتمع وسفلته إلى أماكن سكن بعض كرام القوم لسبهم بأقذع الشتائم لقاء بدل مادي يناله.

أما في مجالات العمل، التي تكاد تنحصر في نشاطات الميناء والتجارة وبعض
الحرف البسيطة والقليل من أمور الزراعة فهناك «المعلم» مالك المؤسسة العاملة أو الأعلى رتبة بين العاملين، و«الأسطى» البارع في حرفة أو مهنة، و«الريس» المسؤول عن جماعة من العاملين، و«الصبي» العامل التنفيذي، و«الشيخ» المدرس في كتّاب الذكور، و«العاهرة» بنت الهوى التي يأتيها الرجال لإرواء شهواتهم الجنسية.

وفي السلطة
تجلت الشخصية الشعبية من خلال حلقة تراعي التراتب الاجتماعي في كل أبعاده وتحافظ عليها. وتأخذ بعين الاعتبار السلطة والنفوذ والمعرفة والحكمة وحسن التصرف واستيعاب الأحوال. فلقب «الباشا» التركي الذي كان يمنح من اسطمبول غالباً ما كان يحصل عليه الوزراء والقادة ومن قام بأعمال مجيدة في خدمة السلطنة، و«البيك» جرى العرف على إطلاقه على من كان له نفوذ سياسي، وهو لقب حمله كل من رياض الصلح وسامي الصلح وصائب سلام. و«الأفندي» صاحب السيادة الكبيرة في المجتمع حملها كل من تبوأ منصباً حكومياً بارزاً أو منصباً اجتماعياً مرموقاً. و«الآغا» وارث لثروة وسلطة وزعامة أو مستحق لها بـ«فرمان» ما. و«الأستاذ» صاحب الشهادة الرسمية الصادرة عن مرجعيات علمية مرموقة. و«الحاج» من زار الأماكن المقدسة.
وللمرأة حصة في الشخصيات التراثية التي عاشت في الوجدان البيروتي من خلال حضورها. فـ«الخانم» المرأة صاحبة المقام الاجتماعي المميز، و«الست» ربة البيت بشكل عام، و«الحاجة» هي الرديف للـ«حاج» في المجتمع الذكوري. أما «بنت البيت» فهي الفتاة ذات المربى الحسن والأخلاق الرفيعة التي تضرب الأمثال بطهارتها وعفتها.

ويضيء فصل «تلقي الشخصية البيروتية
التقليدية» على مفهوم «القبضاي» الذي يتمسك بالـ«رجولة» للدفاع عن الأمن والكرامة لأهله وجيرته ومحلته. ويقدم عدة نماذج عنه من بينهما الوجيه البيروتي أبو عفيف البعدراني الذي «لم ينزع الطربوش عن رأسه حتى مماته»، والقبضاي صاحب مقهى «المتوكل على الله» سعيد حمد. كما يضيء على شخصية السيدة البيروتية صاحبة المروءة، وإن كانت تعيش في البيت، وللبيت، ومن خلف الرجل وعالمه، متخذا من الحاجة عائشة الصيداني بكار، المرأة الشعبية التي كسبت شهرتها من عملها في دكان، نموذجاً لها.

وبكار
كانت تدخر «القرش فوق القرش»، وتشتري الحجارة، وتبني بيديها مسجداً. وقد وقفت قطعة الأرض التي تملكها، وكان عليها الدكان، لبناء المسجد (تم ترميمه وتوسيعه لاحقاً).

وما زال المسجد الذي يحمل اسمها، في المنطقة نفسها التي تحمل اسمها أيضا،
الوحيد في لبنان الذي سمي باسم امرأة، تيمنا بالسيدة التي بالكاد تبين عيناها من وراء «الفيشه» التي تغطي بها وجهها، وهي تبيع الأطفال حاجاتهم.

[
يطلق «مرصد بيروت الحضري» كتاب «تراث بيروت في الحفظ والصون» برعاية رئيس الحكومة سعد الحريري، الخامسة والنصف من مساء اليوم، في حديقة الساعة الحميدية، التي تقـع بــــين السرايا الحكومية ومجلس الإنماء والإعمار. وتتخلل الاحتفال كلمات لكل من الحريري، ورئيس المجلس البلدي لبيروت د. بـــلال حمــد، وكلـــمة للمرصـــد يلقــيها د. نادر سراج

ص 8

 

 
 

Espace Économique - Espace Municipalité - Espace Culture - Espace Historique
Contact - Statistiques - Carte - Discussion - E-Cards
  free web site counter

   Designed and Developed by Webserv

                                                                                            Created by C & C Najjar

ع