DIVERS


 


 


 

 بيروت في رحلة افتراضية الى آخر ايامها ولاية عثمانية

تأملات في المتوسط والعبيد وخيانة الوصايا والخلود... من هضبة قريطم

بيروت تحت الثلج - 1920.

 

الجامعة الأميركية في بيروت - 1894.

شابان بيروتيان في زي بدايات القرن العشرين.

تستعيد هذه الرحلة استعادة تأملية احوال بيروت في آخر ايامها ولاية عثمانية. وهي رحلة افتراضية قام بها الكاتب، متسلحاً بما آلت اليه احوال لبنان وبيروت في تلك الحقبة من التاريخ.
عند آخر خط الترامواي في محلة سهوم رأس بيروت، قرب مخفر حبيش اليوم، نزلت ابنة الشيخ من الحافلة في ظهيرة ذلك النهار، 7 تموز 1913. كانت الفتاة تحمل في يدها كيساً ورقياً وبرفقتها ولد صغير في السابعة. انه اخوها. تقدمت نحوي مجدّة في سيرها، وتسبقها رائحة زيت عطر زهر اللوز. كانت فيشتها، أو خمارها، أرق من فيشة الصباح، مرتدية فستاناً بني اللون يصل إلى حذائها الأحمر. قميصها ينتهي بأطراف  "مكشكشة"، فستقي اللون مع تطريز يمثل وروداً صفراء وخضراء وحمراء. قدمتني لأخيها لابس الغمباز والطربوش: "عيتاني اللي حكيتك عنو"، قالت للطفل، فسلم مغتبطاً. أخرجت طربوشاً أحمر من الكيس ووضعته على رأسي، مع عبارة رافقتها إمالة دلع من رأسها: "استحليتلك ياه".
طربوش... طربوش! قلت مستهجناً. لو قالت غمباز لما قلت لا. لكن حسن أنها لم تستحلِ لي برنيطة. سارت ملتصقة بي يتقدمنا شقيقها الصغير. سرنا في اتجاه المدرسة الألمانية اليوم. امسكت يدها اليسرى، فالتصقتْ بي أكثر. هناك عند المدرسة الألمانية، لم نكمل الطريق نزولاً إلى فاخورة آل الفاخوري حيث النادي الرياضي اليوم. انعطفنا يميناً وسرنا في درب ضيق يستره الصبار والعليق، وينتهي خلف فندق الريفيرا اليوم ويكشف الملعب وطريق الكورنيش أسفله.
"
آه، فكشت رجلي" قالت وجلستْ على صخرة. نظرتْ إلى شقيقها وسألته أن ينزل لشراء كعكة وبطاطا مسلوقة وعرنوس ذرة من بائعين اصطفوا على زاوية الطريق- الكورنيش، وأوصتْ شقيقها: "كوز ذرة كبير كبير"، والتفتت اليّ.
ما أن توارى شقيقها في الدرب، حتى نهضتْ. تطلعنا إلى درب أكثر ستراً، فلاح لنا درب خفي ولجنا فيه بين الصبار والعليق، وانتهى بنا وسط فسحة كاشفة غير مكشوفة، ملساء، ناعمة، لا تراب ولا صخور، تحضنها لوزة ذكرتني برواية "لوزة" الفاحشة لكاتبة مغربية، وقد ترجمت إلى تسع لغات.
جلسنا تحت اللوزة متجاورين ورحت أفرك رقبتها بيدي من الخلف، فأرخت رأسها وأمالته الى كتفي. من مؤخرة رقبتها إلى كتفها تحسست يدي طريقاً منزلقة تحت القميص. كانت أصابعي تتحسس شيئاً فشيئاً أعالي صدرها وبين الثديين. فتحتْ زراً علوياً من قميصها وأدخلتْ رأسها في صدري، فسبحت يدي التي لامست بطن "عذارى القوط". لم تكن الصدرية منتشرة في تلك الأيام، وكان يترك لها تجويف حاضن في "شلحة" الحرير الداخلية. سحبت يدي عن بطنها غامراً أحد الشقيقين اللذين تصلبتْ نهايتاهما فتسارعت نهداتها.
"
أنا ملك يمينك"، قالت مرددة مرات في صوت أعلى وأوضح فأعلى. لم أفهم، ثم صرخت: "قل قبلت". فهمت ورددت مسرعاً: "قبلت طبعاً قبلت". رفعتْ الفيشة تماماً عن وجهها، فالتصقت الشفاه بالشفاه وترطبت برائحة زهر اللوز.
 
بتدلع ورغبة، قالت بضع كلمات، فيما هي  جالسة مسترخية إلى جانبي، فلاح شقيقها في الدرب يبحث عنا وفي يده كعك وحبة بطاطا مسلوقة وكوز ذرة. نادته، فصعد إلينا. تناولت كوز الذرة وراحت تشكه في حبة البطاطا المسلوقة، وتعاود شكة وتنظر في وجهي، وقالت لشقيقها: "عطشانة اشترِ إبريق من الفخارة إملأه بالماء واحضره".
مرة ثانية، استسلمنا الى ذلك الدوار الكبير، ثم قالت: "تعال واطلبني من أبي". سكَّتُ، فأضافت: "شو اسمك الصغير؟" أجبت: "فاروق، وأنتِ"، قالت: "حليمة". قلت: "يا حليمة نحن نعيش في حلم، لا أنا حقيقة ولا أنتِ كذلك. أنا في يوم غوص في بئر الماضي، ينتهي الغوص عند الغروب". أجابت: "أنا حليلتك بملك اليمين على سنة الله ورسوله ولن أستطيع أن أتزوج غيرك".

محكمة الساعة الأوروبية

منذ أن "دخلت الخيل الأزهر"، (خيل نابليون في رواية لجلال كشك)، تشكلتْ في مشرقنا محكمة تحاكمنا على التوقيت الأوروبي. في القرن التاسع عشر يوم كانت قيم أوروبا الأخلاقية، تطهرية وعذرية، كان للرغبة عندنا ألف باب وباب، وكلها شرعية ومشروعة وواردة في الفقه والأمثال. مع القرن العشرين، وبسبب هيئة محكمة الساعة الأوروبية هذه، تمّ تغييب كل الطرق باستثناء الزواج. لكن مفاهيم الساعة الأوروبية في القرن العشرين صارت نقيض تلك في القرن التاسع عشر، فحكمت محكمة الساعة الأوروبية علينا مرة ثانية بالتخلف والتطرف الديني والوقوع في رد الفعل تجاه الغرب.

الى مسجد قريطم

 كان رواد جامع الحمرا ومصلو الجمعة في ذلك النهار الصيفي من السنة 1913 ينتمون إلى طبقة تجمع صفتين، وعرفتها كل مدن المتوسط: مزارعون وملاك في الوقت نفسه. لكن مسجد قريطم كانت تؤمه آنذاك طبقة اجتماعية أعلى مرتبة تتألف من تجار وملاك في الوقت نفسه.
بنى الحاج مصباح أحمد قريطم مسجد قريطم السنة 1890، بالتزامن مع بناء المساجد في الرمل الظزيف والمصيطبة والبسطة وعين المريسة والأشرفية وبرج أبي حيدر وحي العرب في الطريق الجديدة، ومسجد الداعوق في آخر شارع بلس. باسم عائلة الحاج مصباح قريطم، سمي المسجد وسميت المنطقة أيضاً. إنتقل الحاج أحمد قريطم، والد مصباح، من وسط بيروت إلى السكن في أعلى نقطة من الأرض الجديدة الصاعدة المعروفة باسم رأس بيروت والمزروعة بالنخيل والمشيدة عليها أول منارة السنة 1820. كان الحاج أحمد قريطم يزاول مهنة تجارة الأقمشةـ وهي المهنة التي تابعه فيها ابنه محمد نور ثم حفيده إبرهيم.
لم يكن الحاج احمد قريطم الوحيد الذي انتقل للسكن في هذه المحلة المرتفعة. فبعدما شق والي بيروت نصوح باشا الطريق إلى هذه المنطقة وزودها الإنارة، صارت المنطقة مقصد إقامة ميسوري الحال المقيمين في باطن بيروت، من آل يموت وقيسي ومن النخب الدرزية المتنورة التي عملت في الكلية الإنجيلية السورية، كالدكتور نجيب عرداتي الذي أقام منزله الكبير في قريطم.
تلتقي طريق قريطم، أو مدام كوري كما سميت أيام الفرنسيين، بالكورنيش البحري الذي شق في المكان نفسه ممتداً من المرفأ إلى شوران – الروشة. أمّا الطريق من شوران إلى الاونسكو فالطريق الجديدة، فكانت مقطوعة غير متصلة بسبب عدم الحاجة إليها لقلة السكن وانعدامه في تلك المحلة. فهي كانت حينذاك كثباناً رملية ممتدة تعود إلى وقف الإمام الأوزاعي في غالبيتها.
في ظهيرة الجمعة ذاك من العام 1913، وقفت فوق تلك الرابية المنبسطة في قريطم، والتي تشغلها اليوم مدرسة "اللاييك" الفرنسية والأبنية المرتفعة لسيدين واحد من آل شاتيلا وآخر من آل الجميل. حتى الحرب العالمية الثانية كانت هذه الرابية أكبر قاعدة عسكرية فرنسية في شرقي المتوسط.
كانت عربات "الترك" التي تجرها الخيول تشي بثراء أصحابها، تصل إلى مسجد قريطم، وكذلك بعض ضباط الجيش الرابع الهمايوني من ذوي الرتب العالية يصلون على خيولهم لأداء صلاة الجمعة في ذلك النهار الواقع في 7 تموز 1913.
ها هي عربة القاضي أحمد اللبابيدي تصل، ومعه ابنه ذو الخمسة عشر ربيعاً، صلاح اللبابيدي الذي سيكون قائمقام بعلبك ومديراً عاماً للبوليس ومديراً عاماً لوزارة التربية في عهد الرئيس كميل شمعون.  وها هو خطيب الجمعة الشيخ مصطفى الغلاييني والمصنف رسمياً آنذاك خطيباً واماماً معتمداً في الجيش الرابع، يصل ايضاً الى المسجد لإلقاء خطبة الجمعة. موضوع الخطبة سيكون ما حرره الشيخ الغلاييني في صحيفة "أبابيل"، ونقلته عنها صحيفة "الشرق" الدمشقية لمحمد كرعلي، من ردٍ على اجتماع الحركة الإصلاحية في باريس المنعقد في تلك الأيام. اما عنوان الخطبة فهو: "العرب والترك أمة واحدة".
بعد خطبة الجمعة تحولت الساحة الواسعة أمام مسجد قريطم، ملعباً لمباراة في رمي الجريد. وها هو سيف الدين عبد الفتاح الصيداني ابن السنوات الست حينها، يحضر لمتابعة المباراة التي سيكون في ما بعد بطلها، مسجلاً رمية الجريد إلى 65 متراً، قبل ان يصير ايضاً  بطل لبنان في رمي الرمح السنة 1924، بعد إبدال الجريد بالرمح الذي رماه سيف الدين الصيداني مسافة 49.35 متراً. ففي العام ذاك (1942) التحق الصيداني بنادي النهضة لمؤسسيه إميل وتوفيق ورفول بطرس وجبران رومي والياس بطرس وإدمون ربيز. وفي العام 1928 خاض الصيداني نفسه أوّل مباراة في كرة القدم على ملعب النهضة، ضد نادي "السركل" اليسوعي برئاسة بيار الجميل، وضد نوادي "الروفرز" (الأميركية) و"الهومنتمن" و"الأنيونا سبورتن" والهلال.
فرأس بيروت سوف تنتج كل لاعبي كرة القدم المسلمين الذين عرفهم لبنان ابتداءً من أوائل تأسيس نادي النجمة في الأربعينيات. كما ستنتج معظم "السبقجية" ولقبهم "حمير بتلعب". وما لم تنتجه رأس بيروت، هو القيادات السياسية الإسلامية في القرن العشرين، وربما إلى الأبد.

المتوسط من هضبة قريطم

من فوق هذه الربوة المنبسطة، ها أنذا اسرح بصري على امداء البحر المتوسط الذي بقي حتى أوائل القرن التاسع عشر متمرداً على الإنسان المتوسطي، على ما كتب المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل. بحر متمرد، لكن طرقه البحرية تنفتح في الربيع والصيف وتنغلق في الخريف والشتاء، قبل ان تتمكن السفن البخارية من كسر هذه القاعدة، فرضخ البحر أمام عابريه في أشهر السنة كلها، من دون أن ينسى أنه لا يزال قادراً على ابتلاع السفن، كما حصل في الشتاء الماضي قرب طرابلس وقرب شمال فلسطين. ثم ان ضفاف المتوسط الجنوبية والشرقية ظلت تواجه ضفافه الشمالية والغربية، حينما كانت الفجوة التقنية بينهما لا تتعدى العشرين سنة آنذاك.
في مدنه على الضفة الشمالية كانت الجبال تقف كالقلاع مدافعة عن أوروبا. وفي الجنوب المتوسطي كانت حصونُ المدن هي ظهور أحصنتها على قول قديم: "الخيل حصون العرب". لكن كلمة الرحالة ابن بطوطة: "البحر للروم والبر للعرب"، لا تزال هي السائدة. ولو عاش الرجل إلى اليوم لقال: "صار ا لبحر والبر والجو للروم".
كان على كل مدن المتوسط أن تلعب دورين: دور الثغر والرباط في الحضارة الاسلامية، ودور القلاع للدفاع عن المسيحية، من دون أن ننسى دور التواصل والاتصال وتبادل المنافع بين الجهتين المقابلتين:
 
بوردة الذهب والعبيد في السودان والسنغال إلى مدينتي الإسكندرية والجزائر. ومن طرق التجارة البرية مع وسط آسيا وشرقها، إلى موانئ شرق المتوسط التي اختصرتها بيروت في القرن التاسع عشر بسبب اتصالها بالداخل عبر شق سكة حديد بيروت – دمشق. وذلك بعد تدهور عكا وصغر حجم صيدا وضعف محيط طرابلس وتراجع حلب كطريق بري للتجارة. وأيضاً بعد تدهور الأوضاع في إيران وجنوب العراق وفتح قناة السويس وإلغاء ما سمّي نظام العبودية لصالح تسويق الآلة الصناعية الإنتاجية المخترعة في شمالي أوروبا.

العبيد في العالم الاسلامي

كانت العبودية هي آلة الإنتاج في العالم الزراعي في جنوب المتوسط وشرقه عامة، لكن صورتها لم تكن مشوهة في هذه المناطق على غرار ما يشاع اليوم. فمعظم العبيد في المشرق العربي – الإسلامي، كانوا هم "حملة العلم"، أي نشر العلوم القرآنية، ومعظمهم قبضوا على السلطة في تلك الدول والدويلات من دون معارضة من "الأحرار". وهذا على خلاف الدعاوى المنتشرة بين الناس اليوم والمروجة لمقولة أن الإسلام حرّم العبودية. ففي الحقيقة أنه لا النصوص الإسلامية ولا الممارسة الإسلامية حرّمت العبودية، بل على العكس، فإن التساهل أدى إلى الزواج بين العبد والحرّة والعكس. والشروط المسهلة للدخول فيها (العبودية) والخروج منها بإرادة العبد أو "بفك الرقبة"، كانت أحد أسباب عملها بسلاسة داخل المدى العربي – الإسلامي. كان امتلاك "العبد" للعلم الديني أو الإخلاص والذكاء والحيوية أو المال، الطريق المفتوح لتحوله إلى "حر" مؤهل لحضور صلاة الجمعة وحمل اسم عائلة مالكه – صاحبه السابق. لذا سمي العبيد بالموالي، والعبد بالمولى. وقبل الإسلام أيضاً كانت تحمل معنى ملتبساً يجمع ما بين معنى الحليف والعبد.

المتعة والخلود

لكن مدن المتوسط كانت دائماً تدفع ثمنين: ثمن مواجهة الضفة الأخرى والانتصار عليها، وثمن غزو الداخل لها. كانت المدن دائماً مدن فلاحين وملاك، وتجار وملاك. كانت مدن حياة قاسية، ولكنها كانت تسرق المتعة برضى الزمن ورغبة أهلها لقاء ومضات سريعة من المتعة. متعة تتكاثف بكونها ومضات، وبكون زمن الشقاء الطويل والبطيء سيكون زمن ذاكرة متعة فاتت وحنين إلى متعة مقبلة ستكون أيضاً مخطوفة ولبرهة من الزمن. أوليست بيروت كذلك على هذه الصورة؟
لم تعرف مدن المتوسط السعادة على خلاف القرى التي تقوم الحياة فيها على السعادة. لكن مدن المتوسط عرفت ما هو أهم من السعادة: متعة تبرق خاطفة وتكسر استدامة الحركة، أي السعادة.
على تلة قريطم في ظهيرة نهار الجمعة ذاك، كانت حناجر المصلين تتحول خناجر تمزق الهواء الساكن وتلهج بالدعاء للدولة العلية السنية (العثمانية) بالبقاء إلى أبد الآبدين. ومن على سارية المئذنة كان الهلال العثماني الأخضر يلوح خفاقاً منذ أربعماية سنة.
الخلود؟ ما هو الخلود الذي يلوح في عبارة "الى أبد الآبدين"؟ إنه حنين البشرية الى تحقيق سعادتها بالبقاء الذي تعمل له وتطلبه وتدافع عنه الى أبد الآبدين. وفي الحنين والعمل هذين توق الى إدراك الخالق ومشاركته في أبديته، بعدما أقر البشر بأنهم دونه في الابتداء، محاولين بلوغه بالحدوث والاختراع، أي بالخلق من عدم، وإما بما هو أقل من ذلك بكثير، اي بالفيض الصادر عنه.
لم يكن أحد يتصور أن ساعة وفاة المريض (الدولة العثمانية) منذ مئة سنة ونيف، هي على مسافة هنيهنات من وقفتي تلك على هضبة قريطم. لقد كانت شرعية تلك الدولة تمتلك وجدان أهل بيروت منذ دولة المماليك والعباسيين والأمويين والراشدين في ذاكرتهم المتخيلة. والشرعية هذه قائمة على مفهومي وحدة الملة والأمة والخضوع للسلطان وعدم منازعته إلا بعد وقوع الهزيمة. لكن وحدة الملة والأمة لم تكن ضد الخارج فحسب، بل كانت ضد الداخل ايضاً. فلا الدولة الفاطمية ولا القرامطة ولا الدولة الصفوية، ولا من ورثت في هذه الأيام الدول الثلاث المذكورة (إيران)، تمتلك الشرعية في نظر أهل العثمانية.
في منتصف القرن التاسع عشر، كتب القنصل البريطاني في بغداد إلى وزير خارجيته، عن تكرار ظهور بعض البدو في أسواق بغداد، داعين الى خلافة عربية تستعيد مجد الأمة والملة. وفي أيام الدولة العثمانية التي كان عليها أن تقاتل على أكثر من جبهة داخلية: الجبهة الصفوية التي باشرت الحرب ضدها منذ 1517، بعدما عجزت دولة المماليك عن منع الصفويين من الوصول إلى المتوسط، فدفع الثمن من نهض من لبنان للعمل معهم. وكان على الدولة العثمانية أن تقاتل في القرن التاسع عشر حركة محمد علي وحركة محمد بن عبد الوهاب. ثم كان عليها أيضاً أن تقاتل أوروبا كلها. أوروبا المنتصرة بعدما هزم نابليون أوروبا الأرثوذوكسية والكاثوليكية والكالفنية وحتى البروتستانتية إلى حين.

الفوز بخيانة الوصايا

عندما تكون الجماعة سائرة في طريق الهزيمة، فإن النجاة من الهزيمة تكون بخيانة الجماعة. وخيانة الجماعة خيانة مصلحية لا تصل إلى وصايا الهوية، فما من هوية تفضل هوية أخرى عليها.
في القرن التاسع عشر، في ربعه الأخير، غادر البيارتة الجماعة لصالح الفوز بمدينة زاهرة ومتجهة غرباً. فعرفوا سنوات مجدهم الفعلي: ولاية أكبر بثلاث مرات من دولة لبنان "الكبير" التي سيدخلون فيها، كحاجة عثمانية ورغبة غربية فيهم.
في العام 1936 لعب السوريون الدور نفسه، فخانوا الوصايا وفازوا بإتمام سوريا الحالية بضم دولة العلويين ووصولهم الى المتوسط وميناء طرطوس. وابتداءً من سبعينات القرن المنصرم تحولت سوريا دولة متوسطية وداخلية تخون في الاتجاهات كلها.
أطلق اسم لبنان على السلسلة الغربية لجبال المتوسط من اللاذقية إلى نابلس، فكان تعبيراً عن مكان. وورد اسم لبنان 12 مرة في ملحمة جلجامش، و64 مرة في العهد القديم، وفي كثير من النصوص العربية (كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي وغيره). وأطلق اسم سوريا استناداً إلى اتنية عرقية غير عربية تقوم على تناقض مع العرب. لكن السوريين أنزلوا بين "الجمهورية" و"السورية" لفظة تنقض اللفظتين، السابقة واللاحقة، فصارت "الجمهورية العربية السورية" جامعاً لثلاثة أسماء لا ينطبق واحد منها على الواقع. إنها تسمية تعبر عن خيانة ثلاثية للوصايا، لا عن خيانة واحدة.

فاروق عيتاني     



 


 
 

Espace Économique - Espace Municipalité - Espace Culture - Espace Historique
Contact - Statistiques - Carte - Discussion - E-Cards
  free web site counter

   Designed and Developed by Webserv

                                                                                            Created by C & C Najjar

ع