DIVERS

 





سمير عطالله

شاعر على العصر

"ويضطر الزعيم في هذا المجتمع ان يموت في سبيل مبدئه لكي يعرف الناس قدره. فهو ما دام حيا لا بد ان يلاحقوه باحثين عن عيوبه".

علي الوردي


نشرت "الحياة" الاسبوع الماضي، سلسلة من الحوارات الذهبية، اجراها الاستاذ عبده وازن مع الشاعر ادونيس. عرض ادونيس، شاعر وناقد ومؤرخ الاعماق، لمرحلتين: النشأة السياسية والسيرة الشعرية. الاولى، لها عنوان واحد، هو انطون سعادة وفكره ودعوته، وتواضع شخصه. الثانية، ذات عنوان مرحلي، شكل نوعا من مظلة للحداثة الادبية، هو "شعر". وكيف انتمى الى الاثنتين. الاولى، الى درجة دخول السجون في دمشق ومن ثم الخروج من الحزب السوري القومي الى الاستقلالية ضمن الانتماء، والثانية الى درجة التماهي الكلي مع مشروع التغيير البنيوي والجوهري، للغة والشعر، ومن ثم الخروج ايضا والعودة الى الذات الادبية، او هي سرب من الذوات الادبية المتألقة جميعها. وهنا نستعير من ادونيس وصفه لأنسي الحاج: ليس شاعرا بل سرب من الشعراء المغرّدين.
لن نتوقف عند الجزء الادبي من المقابلة، على اهميته النقدية القصوى في اثبات بعض شعراء المرحلة كأمطار بدر شاكر السياب، وصرف بعض ضحولها، كعبد الوهاب البياتي. تفرض علينا احكام المكان، ان نتوقف عند استعادة ادونيس للتجربة القومية. او عند شهادته على القوميتين، السورية، بمعنى مشروع انطون سعادة السياسي والجغرافي والاجتماعي، وهو ما أثّر فيه وفي نتاجه المتعدد وفي مواقفه، والقومية العربية، التي نشأ كسوري قومي ملتزم، على رفضها، وحتى على محاربتها، يوم كانت القوميتان تتبادلان العداء السافر.
اصبحت التجربتان الآن في رحاب اصحابهما، ومعظمهم اجلاء وصادقون وذوو نيات حسنة. لكن ادونيس لا يزال عند موقفه الاول من رؤية قضايا الامة وجذورها وحلولها. "يكره" ان ينتمي او ان يعيش، في امة مقسمة الى اكثريات واقليات. الى طغيان وخضوع. لذا ينبغي ان يكون القاسم المشترك بين اهل الامة مقياس الوجود والحياة والعمل والامل، وليس اللغة او الدين او العرق او اللون او اي مكوّن تمييزي آخر. يبدو هذا الكلام الآن وكأنه ادانة معلنة لما يجري في العراق، حيث يبغي التطهير الديني وتطغى قباحات الحرب المذهبية. فالاشوريون والكلدان والصابئة والسريان، مؤسسون في ارض بابل وبلاد ما بين النهرين، وجزء تكويني من حضارة العراق، التي كان اول ما فعله الاحتلال الاميركي ان نهب متاحفها وحاول ان يشتت آثارها بحيث اصبحت مسروقات في اسواق العالم، كما حدث في لبنان خلال حرب النهب والسلب والسطو على البنوك والمرافئ والموانئ.
ارادت الفكرة السورية الاجتماعية في مرحلة التأسيس ان تحتضن اصحاب الارض بالتساوي في الحقوق. في حين رأى ادونيس مشروعا مناقضا في القومية العربية: "قرأت الفكر القومي العربي كله تقريبا، بدءا من زكي الارسوزي الى ميشال عفلق، مرورا بالاشخاص الذين بينهما، بدا لي، وهذا ما تزداد قناعتي به، ان القومية العربية، كما نظّر لها، كانت مشكلة تضاف الى المشكلات التي يجب الخلاص منها (...) لا يمكن الا ان نكون ضد نظريات تتيح في المجتمع الواحد ان تهيمن عليه الاكثرية العددية الدينية، وان ينظر الى ما عداها من الجماعات بوصفهم اقليات. اكره هذه الكلمة".
هذا هو العراق، مهد الحضارات والتنوع، وهذا ما حدث نتيجة القمع الصهري لمكونات البلد: الاكراد، الذين طوردوا بالطائرات والكيماويات خلال ثلاثة عقود، اخذوا جمهوريتهم ومضوا، ومعهم دينارهم ولغتهم والبشمركة. والشيعة، الذين عبث النظام بامكنتهم المقدسة، صارت لهم سلطتهم الخاصة وربما يذهبون بجنوبهم قريبا. والسنة، الذين بذريعتهم طارد صدام حسين الجميع وطاردهم، يبحثون بين الركام عن وطن ضائع.
لا عزاء لنا في العراق بل خوف شديد. اذ نحن، كبلد تعدد يريد ليخ فاونسا ان ينقل نموذجنا الى اوروبا، لا شيء امام تنويعات العراق. ثم ان الكثير من "الاقليات" التي تشكل لبنان الآن، جاءت من هناك: اكرادا وسريانا واشوريين.
هل يجوز ان نلقي هذا الاخفاق في تثبيت الدول على "القومية العربية" وفق تعبير ادونيس؟ ليس هنا مجال لمثل هذا النقاش التاريخي. لكن ايضا لا يمكن رفع المسؤولية عن الذين تولوا، باسم العروبة، تسيير شؤون الامة في نصف القرن الماضي. اي بعد غياب فلسطين وظهور اسرائيل وتطلع العرب الى انظمة غير تقليدية تسترد الارض وتعوّض الكرامة. فكان ان هذه الانظمة طرحت شعار الوحدة على الهواء وخاضت حروبا انفصالية انقسامية فوق الارض. ومن المحزن ان تكون ليبيا، صاحبة القمة الحالية، قد خاضت صراعات وتجارب وحدوية غير مسلية اطلاقا مع معظم الدول العربية او كلها.
نحن، هنا، بلد الانتظار. الامة التي حلم بها انطون سعادة على مدى "الهلال الخصيب" اختصرت هنا في البلد الذي حن الى ربوعه في البرازيل، فجاء الى الربوع يبشر ثم يطارد ثم يموت. هل كان بشارة الخوري يمارس شيئا من الندامة الذاتية، عندما اعلن في السنة الاخيرة من عهده، حل جميع الاحزاب الطائفية؟ الدعوة الى الحياة المدنية التي نادى بها كإطار لباقي الحضارات التي نشأت في المنطقة، بحيث يكون المدى مدى حضارات لا اكثريات ولا اقليات ولا صراعات، كالتي بدأت في العراق المستقل والتي تبلغ ذروتها الآن في العراق المفتت؟
ورثنا العراق. وما ابعد منه. وصرنا وطن انتظار. عندما جاء الارمن اعتقدوا انها مسألة برهة ويعودون ويقيمون ارمينيا الكبرى. سموا المنعزلات التي تزاحموا داخلها، بالاسماء الاناضولية. كمب سيس وكمب حاجين وكمب شرشبوك. وقبعوا في الداخل يرفضون تعليم اولادهم العربية لئلا يكون ذلك شؤما عليهم وعلى الرجعة الوشيكة. لكن عبثا جلس الارمني العجوز في ساحة انطلياس يصرخ "خذوني الى يريفان". فأخذ الرحبانيان، رادارا الشقاء، مأساته وحولاها الى اغنية "حنا السكران".
كذلك جاء الفلسطينيون، وتذكروا انهم لم يطفئوا الاضواء قبل خروجهم وتركوا البرادات دائرة. جاؤوا من اجل ان يعودوا بعد ايام. وطن انتظار بلا جدوى.
الرقعة الوحيدة التي حققت فكرة انطون سعادة، ولو بفوضى وتشوش وسرعة عطب. لم يعد "الصراع فكريا" كما كتب مؤسس الحزب ذات يوم، ولا عاد الحزب نفسه نبعا للشعر والفكر والآداب. لم يبق عقل خلاق الا ومرَّ ذات يوم تحت قناطره: غسان تويني وهشام شرابي وذلك الاسطوري المعروف باسم مبسط هو خليل حاوي، وسعيد تقي الدين وانيس صايغ وجورج مصروعة وفؤاد سليمان وحليم بركات وسرب طويل من المبدعين الذين انضووا في سلك الفكر المدني والوحدة الانسانية.
ترك ادونيس الحزب القومي عام 1961. ترك اليوميات والصراعات والاجنحة، لكن الجزء الفكري من الحزب بقي فيه. لقد زرع فيه شجاعة التمرد، لا الثورة. والفارق ان الاول اصلاحي والثانية تدميرية. الاولى ارادي، تأملي، والثانية عنف مجاني مبتذل وبلا ضوابط.
ها هو مؤلف "الثابت والمتحول" والمؤرخ الثاقب لمرحلة الحداثة، والناقل المبهر لشعر جورج شحادة وفؤاد غبريال نفاع، ها هو يتأمل نصف قرن من الابداع والمرارة، من الضياع والخيبة والنفوس الصامدة، يفعل ذلك في عمق وشجاعة وموضوعية. ونحن نحبه ونغبطه. هذا كل ما نملك.

سمير عطاالله     


 
 

Espace Économique - Espace Municipalité - Espace Culture - Espace Historique
Contact - Statistiques - Carte - Discussion - E-Cards
  free web site counter

   Designed and Developed by Webserv

                                                                                            Created by C & C Najjar

ع