|
يعتذر الموقع مسبقا عن اي خطأ مطبعي
قد حصل
رحلة ذاكرة
تستيقظ فينا ذاكرة الصنوبر، تعيد ترتيب صور العمر في
ألبومات الوقت، تُغرق القلب بأسئلة الحنين، فيمتطي صهوة حلم ربيعي
المزاج ويصعد نحو ألوان قوس قزح ليطل على عاطفة تليق برحلة العودة إلى
حضن الغمام.ها أنت في لبنان، تقف بين صخب بحر لا يمل من تاريخ عالي
الموج، وكبرياء جبل مرصع بسكينة اللاوقت، كأن شيئاً لم يتغير منذ أن فر
الحجل من أصوات بنادق الصيد ليبحث عن هوية جديدة، لكنك تدرك تماماً أن
شيئاً لم يبق على حاله سوى رغبتك باستعادة طعم الزعتر البري على مائدة
الصباح.
تخرج من مطار بيروت فتلفحك رطوبة هواء مثقل بملوحة
الذكريات، يقودك حنينك إلى ساحة البرج، ترى نفسك طفلاً ينتظر مع والدته
بوسطة المتين، فيمتلئ المكان برائحة الكعك وأصوات العابرين. يلفك سحر
ماض ما زال ينبض في شرايين الوقت، فتصعد البوسطه بلهفة عاشق، تجلس قرب
النافذة المفتوحة، وتنظر إلى الأعلى بشرود. ها أنت تعود إلى المتين بعد
عشرين موسم غربة، تغمض عينيك للحظة، فترسم الذاكرة جغرافيا الطريق من
جديد، كأنك طائر يعيده حدسه من شتاء المنافي إلى دفء الحلم، كأن شيئاً
لن يتغير.تقفز أمامك أحلام الطفولة، فترى أمك تعد قهوة الصبحية وتوصيك
بألا توسخ ثيابك بالماء عندما تلعب مع الأولاد في طرقات الضيعة، ترى
نفسك وأنت تعقد صداقات صيف مع أبناء المصطافين، تأكل النعومة أو
المعكرونة من دكان أمين العنتوري، تقطف العنب والتين من شيرعريف، تنام
على صوت حفلات زغلول الدامور، تصعد مع أولاد خالاتك إلى سطح قصر
الأمارة المطل على ساحة الضيعة لتشاهد حلقة من برنامج أستوديو الفن
لصونيا بيروتي، أو حفلة غنائية لصباح أو نصري شمس الدين، تتذكر بكاءك
الصامت وأنت تودع المتين بعد انقضاء الصيف، لتسلك طريق العودة إلى
مقاعد الدراسة المملة في الشام، كأن ذلك كله كان بالأمس فقط.
المتين صورة الروح على صفحة بحيرة مسكونة بسحر الحياة،
كأس من نبيذ معتق في أقبية الحنين، أغنية رحبانية المعاني، تعريف مختصر
لوطن من أرز وصنوبر وحروب، وشعب يعشق الحرية ويبحث على أجنحة السنونو
عن صيغ جديدة للتعايش.تقف البوسطة عند الكوع قرب بيت سليم علوان، تفتح
عينيك، ها قد وصلت إلى المتين، ترى أهلك وذكرياتك يهرعون لاستقبالك،
فهل كان الطريق إليها يستحق هذا العناء؟
بكل تأكيد.
د. نواف القنطار
دمشق 22/3/2010
|