|
"السفير": الجمعة 12 شباط 2010
قراءة في كتاب فارس
يواكيم
:
ظلال الأرز في وادي النيل
التعدد
الثقافي قضية
أخلاقية

جرجي
زيدان
حسين
الموزاني
اختار
الصحافي والكاتب
المسرحي اللبنانيّ الأصل، والمصريّ المولد، فارس يواكيم عنواناً لافتاً لا يخلو من
الشعرية لكتابه الذي يتناول فيه نخبة من الكتّاب والمفكّرين والفنانين
اللبنانيين
الذين هاجروا إلى مصر أو ولدوا فيها؛ فأبدعوا وتركوا إرثاً ثقافياً
عربياً غنيّاً
ومتنوعاً. لكنّ هذه الصيغة الشعرية «ظلال الأرز في وادي النيل» جاءت
متوافقة تماماً
مع محتوى الكتاب وهدفه التعريفيّ، وقدمت في الوقت نفسه صورة دقيقة
لمرحلة فكرية
وثقافية تأسيسية شهدتها مصر في نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأوّل
من القرن
العشرين. وعندما يقرأ المرء هذا الكتاب على ضوء الحاضر، أو ظلامه
المطبق في واقع
الحال، ومن زاوية الجدل العقيم حول أسبقية هذا البلد أو ذلك في ريادة
النهضة
الفكرية والعمرانية والثقافية من دون التعرّض إلى الجهود الفردية
لصانعي الثقافة،
فإن المرء يصاب بالدهشة فعلاًَ من قدرة أولئك المبدعين اللبنانيين
الذين هاجروا إلى
مصر في ظلّ ظروف معقدة، حتّى أن البعض منهم كان مهدداً بعقوبة الإعدام
من قبل
السلطات العثمانية آنذاك، نعم كيف استطاع هؤلاء كلّهم بلوغ أهدافهم
البعيدة الأثر،
ليحتلوا مواقع مرموقة في ميدان الفكر والأدب والسياسة والإعلام؟
الواحة
فارس يواكيم يجيب ببساطة وتجردّ عن هذا السؤال كاشفاً عن سرّ هذه
المعجزة التي
كادت أن ترتقي بمصر، ومن ثمّ بالدول العربية
مجتمعة، إلى مصاف الأمم الراقية فكرياً
وعلمياً وإنسانياً. ويؤكّد في مقدمته القصيرة على أهمية «حضانة مصر
لهذه الشخصيات».
والتي لولاها، «لما تمكن هؤلاء من أداء الأدوار
التي قاموا بها، كلّ في مجاله»،
معتبراً مصر «الواحة الوحيدة في العالم العربي التي تتاح فيها الفرصة
لأصحاب الفكر
للتعبير عن أنفسهم. وبالنتيجة، كان إبداع اللبنانيين مصرياً يؤّرخ في
سجل الثقافة
المصرية».
فهناك بلا شكّ روابط ثقافية ودينية متوسطية تعود إلى أزمان سحيقة في
القدم تصل إلى زمن الفراعنة والفينيقيين، لكنها لم تكن يوماً بهذا
القدر من الكثافة
والحضور مثلما كان عليه الأمر في القرنين التاسع عشر والعشرين. فبدت
هذه الروابط
الحديثة تلقائيةً وطبيعيةً لدرجة أن أحداً لم يفكر من قبل في وضع كتاب
مفصّل عنها
مثلما فعل يواكيم، إذ ليس هناك من كان مهتماًَ بأمر هذا المبدع أو ذاك
وفيما إذا
كان لبنانيّ الأصل أو مصرياً خالصاً.
فكانت الأسكندرية والقاهرة حاضرتين
متعددتيّ الأعراق والمذاهب واللغات، وشكلتا فعلاً حاضنة ليبرالية
لمختلف الثقافات،
فصهرتها ومصرّتها. ولعلّ هذه هي خاصيّة مصرية محض، نستطيع ملاحظتها
حتّى في زمن
الفاطميين والمماليك وحقبة محمد علي وأبنائه.
ويحمل كتاب «ظلال الأرز في وادي
النيل» في جوهره سمة السّير الذاتية القصيرة، بيد أنّه لم يتعرض في
الواقع إلى
السير الذاتية نفسها بقدر ما يتناول إبداع أولئك اللبنانيين بالذات.
فهو لم يتطرق
كثيراً إلى شؤونهم الشخصية ومغامراتهم وأهوائهم وصراعاتهم، إنما ركزّ
على عرض
إنجازاتهم الإبداعية وأهدافها. فهم عاشوا في مرحلة متقاربة زمنياً، أو
في وحدة
زمنية تمخضت عنها وحدة ثقافية عربية متميزة، انحسرت الآن بسبب الانكفاء
الإقليمي
و«الثورات التحررية» التي جاءت باسم «التقدم والوطنية والاستقلال»،
لكنها هدمّت،
وبلا رحمة، كلّ ما شيّده روّاد النهضة العربية. وبهذا المعنى فلا يمكن
اعتبار هذا
الكتاب مجرد مجموعة من السير الذاتية على طريقة وكيبيديا، بل إنه
استعراص مترابط
لشخصيات متجايلة ومتفاعلة مع بعضها البعض، فشيّدت مؤسسات فكرية وعلمية
ما زال البعض
منها قائماً إلى الآن.
وإذا كانت هناك أسماء كبيرة من بين أولئك المهاجرين
سمعنا بها كثيراً ومنها على سبيل المثال جرجي زيدان، مؤسس دار الهلال،
وفاطمة محمد
محي الدين المعروفة باسم روز يوسف التي أسست مجلة بهذا الاسم ما زالت
تصدر إلى
يومنا هذا، وإبراهيم اليازجي، العلامة والأديب الذي أصدر عدداً من
المجلات الفكرية،
وشبلي شميّل الاشتراكي والمنظّر اليساري، ومحمّد رشيد رضا الذي أصدر
مجلة «المنار»
بدعم من أستاذه محمّد عبده، وخليل مطران المشهور بلقب «شاعر القطرين»؛
فإنّ هناك
أسماء لا نعرف عنها إلا اليسير أو ما لا يتناسب وحجمها الحقيقي أو على
الأقل
أهميتها التاريخية مثل سليم تقلا، مؤسس جريدة الأهرام، وخليل زينية،
وهو من روّاد
حركة التحرر العربية وكان اسمه مدونّاً في قائمة السفّاح جمال باشا،
فنجا من
الإعدام بأعجوبة، و زينب فوّاز، إحدى رائدات حركة تحرر المرأة العربية،
كذلك نجيب
متري الذي أسس دار المعارف بمصر، وغيرهم كثيرين.
التنوع
ولعلّ المرء يتساءل
هنا عن الغرض من هذا الجرد التاريخيّ لهؤلاء
الروّاد وعلاقته بحاضرنا المشحون
بالتوتر والانعزالية. وبلا شكّ أن الاطلاع على
تاريخنا الثقافي والروحي هو قضية
أخلاقية بالدرجة الأولى، فضلاً عن أنها قضية
معرفية محفزة لنا لنمضي قدماً في
الطريق الذي اختطه لنا أولئك الروّاد العظام.
وربّما ليس من المهم أن أعرف على
سبيل المثال بأنّ أحمد عرابي أو نجيب الريحاني كانا من أصل عراقيّ، بيد
أن هذه
المعرفة تؤكّد لي من ناحية أخرى أهمية التنوع الإثنيّ والدينيّ في
ترسيخ أسس ثقافة
البلد الواحد وإغنائها
لكنني أودّ أن أشير هنا في هذا السياق إلى واقعة ذات
دلالة، وذات صلة أيضاً بالموضوع الذي نتحدث عنه، وقد شهدتها أثناء
إقامتي في مصر
مطلع التسعينيات، وهي تتعلق بوفاة الكاتب المصري الشهير يحيى حقّي.
وكان لرحيله
آنذاك وقع أليم في نفوس الكثيرين، ومنهم المثقفون المصريون خاصة. لكن
فجأة شاع خبر
مفاده أن يحيى حقّي كان قد شدد في وصيته على أن لا يشترك أي مصريّ في
تشييع جنازته!
نعم هكذا كتب القاص والمؤرخ الأدبي يحيى حقّي في وصيته. فكان السؤال
آنذاك لماذا
هذا النكران والجحود؟ ألم يكن هو نفسه مصرياً كرمته الدولة، وإن بشكل
متأخر وذلك
عبر جائزتها التقديرية؟
وأنا هنا في الواقع لست بصدد البحث عن مسوغات هذا
القرار المأساوي وعلاقته بالأصول التركية للقاص التي لم يتخل عنها
يوماً لصالح
مصريته، أو بالتنكّر للدور التاريخي الذي لعبه خاله محمود طاهر لاشين
في تطور
الرواية المصرية الحديثة، لا سيما في روايته «عذراء دنشواي» الصادرة
عام 1906،
والتي سبقت صدور رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل بثماني سنوات. لكنني
أودّ الإشارة
فقط، وبصورة خاصة، إلى أهمية البعد النفسي والوجداني والعاطفي للانتماء
القومي أو
الإثني بالنسبة للمبدعين، لأن هذه الانتماءات غالباً ما تكون دافعاً
مؤثّراً
ومحفّزاً قويّاً للإبداع، كما لو أنها ضريبة أخلاقية يدفعها المهاجر
لبلد
المضيّفين. وأودّ كذلك الإشارة إلى ضرورة عدم تجاهل الإنجاز الفنيّ
والفكريّ الذي
يضيفه المهاجر والغريب على ثقافة البلد الأصلية، وإعطائه حقّه في
التقييم التاريخي.
ويخلص فارس يواكيم في تقييمه لتلك المرحلة إلى القول: «لا ننسى أيضاً،
أنّ
الانتماءات المختلفة للبنانيين جعلتهم في مواقع
مختلفة في المشهد الثقافي والصحافي
المصري. فأهل اليسار اللبنانيين (من شيوعيين واشتراكيين وعلمانيين)
أمثال أنطون
مارون ورفيق جبور وفرح أنطون وشبلي الشميل كانوا حلفاء أقرانهم من
مصريين ولبنانيين
أيضاً. وبهذه المناسبة، يجدر بنا الإشارة إلى أن مقالات شبلي الشميل
وفرح أنطون
الحادة في دفاعها عن العلمانية والعلم وفصل الدين عن الدولة، واجهت
ردوداً عنيفة من
مصريين ولبنانيين، ومن رجال دين مسلمين ومسيحيين. لكن المعركة ظلّت
محصورة في إطار
الرأي والرأي المضاد، ولم يتعرّض أحد للسجن أو الاعتداء من خصم اعتبر
نفسه مجروحاً
معنوياً. وهذه إيجابية تحسب لصالح ذلك العصر وأهله. لكن عندما تحول
التنظير إلى
التنظيم الحركي كما في حالتي أنطون مارون ورفيق جبور، دفع كلاهما حياته
ثمناً
كتاب «ظلال الأرز في وادي النيل» هو كتاب رائد في ميدان التدوين
والتوثيق
والقراءة الموضوعية للأحداث من منظور الحاضر، لكن من دون أن يسقط هذا
الحاضر ظلاله
المعتمة على تلك الأحداث؛ وقد حرص فيه مؤلفه على استخدام لغة هادئة
وأسلوب رصين خال
من الإطناب والمبالغة في معالجة المادة التاريخية.
(كاتب عراقي مقيم في
المانيا)
([)
فارس يواكيم: ظلال الأرز في وادي النيل. لبنانيون في مصر. دار
الفارابي، بيروت 2009. 271 صفحة.
ص 10
|