|
لقد كلّفت "أهالينا" أحد الصحفيين
الشباب "الأستاذ شادي أبو جودة"
التحقيق بموضوع الإدمان على المواد المخدّرة
فجاء التحقيق وقد أوفى الموضوع حقه إن من ناحية
الدخول في تفاصيل عمليات البيع والشراء أو من ناحية
بعض الاوكار التي تحقق منها في المتن الشمالي تحديدا.
إننا ننشر هذا التحقيق كما طلبناه علّه يساهم في "نشر
توعية ما" بالنسبة الى هذه الآفة القاتلة على أن نكمل
الحديث عنها بالتفصيل في النطاق الجغرافي القريب نسبيا
منا والمحيط الملتصق بنا
وإن وردت بعض اسماء السياسيين الناشطين لوضع حد لهذه الآفة
فإن اسماءهم أتت عرضا بفضل جهدهم وليس لأي هدف سياسي دعائي
رخيص
خاص بموقع المتين - أهالينا
الشباب يدمن عليها والدولة تغلق عينيها
المخدرات في لبنان تجتاح المدارس والجامعات وتزيد من هذيان
الدولة
تبدأ رحلتها باكراً مع مراهقة الانسان أو ترافقه في مختلف
مراحل عمره، تعِدُه بالسماء والنجوم والتحليق عالياً ،
ترسم له حدوداً أبعد من آفاق أحلامه، تقف على باب خيباته
وانتكاساته وفشله وضعفه وتضع نفسها بتصرّف زلّة صغيرة أو
هزّة طفيفة تلعب بميزان إرادته، ثم تتسلّل الى ذهنه على
شكل فكرة "خلاصيّة"، وتتفاعل مع شخصيته وطموحاته وأزماته،
المستجدة منها والتي تلحق به مع الزمن، فيدخل الانسان
بمرحلة صراع قد يفوز به بفعل وعيه ووعي مجتمعه ومحيطه، أو
قد تربح هي فيستسلم لعالمها المميت.
هي المخدرات على أنواعها وأشكالها. هي
آفة مميتة اخطر من سرطان
وأشد فتكاً من السيدا. تدخل من باب اليأس على صهوة أمل
موعود، تبعثر الأفكار والأطباع والأخلاق والإنسانية، تلتصق
بالعقل التصاق فراشة بالنور، وتحتلّ الجسم بكامل أعضائه.
أخطارها وسلبيات تعاطيها أكثر من أن تحصر بتلف دماغي
واستسقاء رئوي وجلطات قلبيّة وتعطيل لعمل الكبد وفقر في
الدم. فهي، وبالإضافة الى تأثيرها المدمر على جسم الانسان،
تتعرّض أيضاً لأخلاقه واطباعه وتصرفاته ما ينتج اضطراباً
في الشخصية وعجزاً في التكيف مع المجتمع.
في قضاء المتن الطلاب هم أكثر المستهدفين
يعتبر الحديث عن المخدرات من أشد
المحظورات. بدأت هذه الظاهرة باختراق المجتمع اللبناني
بقوة
في السنوات القليلة الماضية.
فالعديد من العائلات التي كانت تعتبر نفسها بعيدة عن هذه
الآفة اكتشفت أن واحداً على الأقل من أبنائها يتعاطى إحدى
المواد المخدرة. لا تنتشر المخدرات في اوساط الشباب فقط،
إلا أن تسلّلها الى طلاب المدارس والجامعات بشكل عشوائي
يهدد هذه الفئة العمرية بشكل جدّي وخطير. فبحسب احصاء
أجرته "الدولية للمعلومات" على طلاب جامعات لبنان قبل
عامين، تبيّن ان
نسبة الذين أفادوا بأنهم تعاطوا ولو لمرة واحدة المخدرات
تكاد تبلغ 40%، وأن 22% من الطلاب يتعاطون أسبوعياً،
ويظهر الإحصاء أيضاً أن نحو نصف الطلاب المستطلعين أقرّوا
بسهولة الحصول على المخدرات في جامعاتهم. كما ويشير
التقرير الى أن أكثر أنواع المخدرات استخداماً بين الطلاب
المستطلعين هي الحشيشة والماريجوانا، يليهما الكوكايين
والهيرويين.
اما الدراسة التي أعدّتها جمعية "شبيبة ضد المخدرات"
JAD
فتلحظ أن 30% من حالات الإدمان تصيب
الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً، بينما تشير
أرقام دراسة مماثلة أعدّتها جامعة القديس يوسف الى أن نسبة
الإدمان عند هذه الفئة العمرية هي أقل بعض الشيء.
إن أموال طلاب المدارس والجامعات لا تملأ وحدها بالطبع
جيوب تجار المخدرات، فهم يعتمدون على سوق أوسع يشمل كل
اللبنانيين وفي مختلف المناطق. الأمر ليس بجديد، لطالما
كانت المخدرات تهدد بنية المجتمع. إلا أن الحديث عن تفاقم
هذه الظاهرة في المدارس والجامعات بشكل يفوق بخطورته
الأعوام السابقة يثير الريبة ويدعو الى الحذر الشديد. يكاد
لا يمر يوم دون سماع خبر توقيف شبان بتهمة التعاطي أو
الترويج. ففي جولة ميدانية استطلاعية سريعة على ساحل المتن
الشمالي لا يختلف اثنان من المواطنين على تأكيد سماعهم أو
علمهم بأن الحديث عن المخدرات وعن الذين يتعاطونها أصبح
أمراً رائجاً ويكاد يكون اعتيادياً بفعل تكراره يوماً بعد
يوم. يعلّق أحدهم قائلاً "لم تعد الأقاويل والشائعات وحدها
تنذر بخطورة هذا الموضوع، اذ أنه يمكن لكل من يمرّ صباح
الأحد قرب كنيسة مار مارون – الدورة أن يشاهد مخلّفات
المتعاطين من أبر وسجائر وغيرها من الوسائل المخدّرة". ثم
يضيف آخر " في الماضي كانت الظاهرة محدودة، فقد كان الذين
يتعاطون المخدرات يهربون من المجتمع ويقومون بعملهم في
السر، ربما كانوا يشعرون بخجل ما ... أما اليوم فعلى عينك
يا تاجر"
سعر
السوق
يروي أحدهم أنه يعرف بعض العبارات التي يستعملها
المتعاطون، فهو كان قد سمع شجاراً بين مرّوج وشاب يفاوضه
على سعر الغرام الواحد في أحد زواريب الجديدة، فالشاب
المستعجل يؤكّد أنه لن يدفع ليرة إضافية عن "سعر السوق يلي
منعرفو".
"سعر السوق" في ساحل المتن يعادل سعر السوق في كولومبيا
البلد الام الذي ينتج ويصدّر الكوكايين والهيرويين. وهنا
تكمن الخطورة الأساسية، فقد كان الغرام يباع بـ مئة ألف
ليرة بعد إضافة كلفة شحنه وتهريبه وتوضيبه واحتساب ربح
التجار، أما اليوم فهو يباع بثلاثون ألفاً ! لا بدّ من
السؤال عن كيفيّة حصول هذا الأمر علماً أنه لا يزال يخضع
لنفس الشروط من تهريب وربح للتجار. يؤكّد أحد المتابعين
بديهية وجود من يدعم هذه التجارة ويتحمّل خسارة من هذا
النوع. وهي "خسارة هائلة بالفعل غير أنها لا تبرر" على حدّ
قوله. ويضيف المتابع "اذا فرضنا ان المواد المخدرة تخلط
بنسبة 50% مع مواد اخرى أرخص ثمناً كحبوب "البانادول"
المطحونة أو غيرها من المواد التي تشبه بلونها الكوكايين،
يبقى السعر دون حدود المنطق اذ أنه بهذه الحالة يستحيل
بيعه بأقلّ من خمسون ألفاً". ثمّ يعقّب قائلاً "حتى عمليات
التهريب من البقاع حيث يباع الغرام الواحد بسبعين ألفاً لن
تدعه يصل الى بيروت بأقلّ من سعر الكلفة.
مخدرات بطعم الشوكولا ... والدولة لا تحرّك ساكناً
يقول الصحافي حنا أيوب في مقاله الذي نشر في 13 حزيران
2010 في جريدة الديار ما حرفيّته: "اسرائيل تحاول ضرب
المجتمع اللبناني بالمخدرات" ويتحدّث عن شبكة اسرائيلية
تبتاع المخدرات من مصر وتدخلها في السكاكر وتصدّرها عن
طريق التهريب. وقد لفت أيوب في مقالته أن بحوزته معلومات
ووثائق وهو جاهز لتقديمها الى القضاء اللبناني لمتابعة هذه
القضية. يذكر في هذا السياق أيضاً أن النائب نبيل نقولا
كان قد تقدّم بإخبار الى النيابة العامة بهذا الشأن سجّل
تحت رقم
m/14606
ولم يلق جواباً حتى اليوم.
اذاً الخطر داهم، ان صدقت معلومات المقال أو لم تصدق،
فالدولة لم تحرّك ساكناً بعد.
أما بالعودة الى انتشار المتعاطين الجغرافي على خارطة
المتن الشمالي، يتبيّن أن مناطق الدورة - برج حمود -
الدكوانة - الجديدة (شارع القبضايات) تضمّ النسبة الأكبر
منهم. ومن المعروف أن هذه المناطق تتميّز بكثافة سكانية
عالية ما يجعل من كل شاب وشابة في هذه البقعة هدفاً
معرّضاً لأن يكون يوماً ما زبوناً أو مروّجاً. مناطق الوسط
كالربوة والنقاش لا تخلو أيضاً من المتعاطين، إلا أن
النسبة تنخفض كلّما ارتفعت بوجهها نسبة الخضار. فبحسب
دراسة أعدّتها
جمعية "شبيبة ضد المخدرات"
JAD
تبيّن أنه كلما ازدادت المساحات الخضراء قلت نسبة التعاطي.
ترفض جمعية "جاد" مناداة المتعاطين بالمجرمين، فـ"الذي
يتعاطى هو شخص مريض وليس بمجرم" على حدّ قول ناشط في هذه
الجمعية. يتحدّث هذا الناشط بلغة الحريص على كل شبّان
الوطن وعلى أبناء المتن بالأخص لأن "خطر انتشار هذه الآفة
يتزايد يوماً بعد يوم وبشكل ملحوظ".
العلاج ... في الأردن
ماذا عن مراكز علاج المدمنين المتوفرة في لبنان؟
الجمعيات التي يعتبر عملها جديّاً هي التالية: ام النور،
جمعية عدل ورحمة،
JAD
أو "شبيبة ضد المخدرات" و
JCD
أو "شبيبة لمكافحة المخدرات" . هذه المراكز تهتمّ
بالمدمنين وتقوم بمعالجتهم معالجة نفسيّة وتساعدهم على
استعادة اتّزانهم وتكيّفهم مع محيطهم ومع المجتمع. غير ان
مدّة العلاج لا تتجاوز الثلاثة اشهر، وهي فترة ليست بكافية
في حالات عديدة لأن نسبة الذين يشفون من هذا المرض- الآفة
لا تتعدّى 7% في لبنان. هذا ما دفع بجمعية "جاد" الى
إرسال المدمنين الى الأردن ( 79 حالة من المتن أرسلت الى
الأردن في السنة الماضية) حيث يعالجون (معالجة نفسية
وجسدية) في مركز الأمن العام للتأهيل الذي يسجّل أعلى نسبة
نجاح في الشرق الأوسط وهي 18%. كما يتمّ علاجهم أيضاً في
مستشفى الرشيد أو في مستشفى الصحة (مستشفى الملك حسين)
حيث نسبة النجاح تصل الى 14%. وتشير أرقام "جاد" أيضاً
الى أنه تمّ نقل 700 حالة إدمان في السنوات الاربع الماضية
الى الاردن.
يذكر في هذا السياق أن رئيس بلدية مجدل ترشيش السيد علي
مقبل تعهد بأن يؤمن ارضاً من أملاك البلدية لبناء مركز
تأهيل تبلغ كلفة تمويله حوالي 4 مليون دولار. المشروع كانت
قد تقدّمت به الى الدولة اللبنانية جمعيتا "جاد" و"اليد
الممدودة".
رياضة وطبيعة ضد المخدرات
يؤمن القيّمون على جمعية "جاد" أن الرياضة والطبيعة هما
أبرز عوامل النجاح في علاج المدمنين. ويؤكد الناشطون في
هذا المجال أن الرياضة على أنواعها كما والعيش بالقرب من
الطبيعة يساعدان بشكل أساسي على الوقاية من المخدرات
والابتعاد عنها. من هنا كانت فكرة "رياضة ضد المخدرات" وهي
مشروع انشاء ملاعب رياضية جديدة وتأهيل ملاعب قديمة في
مختلف مناطق المتن الشمالي. كما وتقدّم المشروع بالطلب من
جميع بلديات المتن الشمالي انشاء ملاعب رياضية أو تسهيل
هذا الأمر. ويذكر في السياق عينه الجهد الاستثنائي الذي
يقوم به كلّ من النائب نبيل نقولا والسيد وليد أبو سليمان
والسيد جان أبوجودة للسير قدماً على طريق تحقيق هذه
المشاريع الرياضية وغيرها من المشاريع البيئية التي ستبدأ
مع زرع 120 ألف شجرة في هذا القضاء.
في ظل تساهل الأحكام القانونية مع المتعاطين الذين لا
تزيد مدة توقيفهم عن الأسبوعين، وفي ظل الحديث عن أن
المخدرات تهرّب أيضاً الى سجن رومية كما تهرّب إليه بائعات
الهوى، وفي ظلّ عدم التفات الدولة وتشديدها على مكافحة هذه
الظاهرة، وفي ظلّ حماية سياسية تكاد تكون علنّية ومشرّعة
للتجار وللمروّجين ، لا يبقى للمواطن اللبناني سوى
الإتّكال على الوعي الجماعي والمقاومة المجتمعيّة
والوقائية التي تشكّل خط الدفاع الأخير وذلك لحماية
عائلاتنا ومجتمعنا من التفكك والانهيار.
جيل برمّته مهددّ، شبّان وشابات قد يدخلون الى عالم
المخدرات وقد لا يخرجون منه إلا أموات.
شادي أبوجودة
|