|

حازم
صاغيّة، الاثنين 29 آذار 2010

ليخ فاليسّا (أو فاوينسا) زار لبنان قبل أيّام. الزعيم النقابيّ
البولنديّ جسّد بعض أبرز تناقضات زمننا المعاصر: عامل في غدانسك تحوّل
إلى معول في تقويض الشيوعيّة البولنديّة، ومن ثمّ الروسيّة، علماً بأنّ
الشيوعيّة تسمّي نفسها نظريّة الطبقة العاملة وتدعو إلى ديكتاتوريّتها.
لكنّ فاليسا أيضاً شخص مؤمن مبالغ في ورعه الكاثوليكيّ وما يترتّب عليه
من قيم ضعيفة الصلة بالحداثة، وهو قائد حركة تحرّر وطنيّ أنجزت تحرير
بلدها من الاستبداد الروسيّ – الشيوعيّ البولنديّ.
لكنّ التناقض الأبرز في سيرة فاليسا أنّه بعد أن قاد بلده إلى
الاستقلال والديموقراطيّة، وبعدما تبوّأ السلطة لسنوات، عاد وخسر
الانتخابات في 1995 لصالح الاشتراكيّين الديموقراطيّين الذين تفرّعوا
عن الحزب الشيوعيّ (بعدما أصلحوه وتبنّوا الاشتراكيّة الديموقراطيّة).
ماذا تعلّمنا تجربة فاليسّا، نحن اللبنانيّين، بل نحن العرب؟
تعلّمنا، أوّلاً، فكرة تعدّد المستويات، بحيث يمكن لواحدنا أن يرفض
جانباً من وعي ما ويقبل جانباً آخر من الوعي نفسه. ولم يكونوا قلّة
أؤلئك المثقّفين البولنديين، كمثل جاسك كوران وآدم ميشنيك، الذين رفضوا
إيمانيّة فاليسا واعتبروها رجعيّة لكنّهم تعاملوا معه كقائد وطنيّ
وتحرّريّ. إنّ السياسة المتمدّنة (والسياسة متمدّنة تعريفاً) تؤخذ
بالمفرّق لا بالجملة. وحدها سياسات الاستبداد تؤخذ بالجملة بحيث لا
يقال للزعيم "ما أحلى الكحل بعينك".
وهي تعلّمنا، ثانياً، أنّ ما من زعيم قائد خالد معبود في ظلّ
الديموقراطيّة: فانتصار فاليسّا في تحرير بلده لم يحل، بعد سنوات
قليلة، دون إسقاطه في الانتخابات الرئاسيّة. إنّها تذكير بالسابقة
المشهورة لونستون تشرشل الذي قاد بلاده نحو النصر في الحرب العالميّة
الثانية لكنّه رسب في أوّل انتخابات تُجرى في بريطانيا بعد تلك الحرب.
وهي، ثالثاً، تعلّمنا أنّ الزمن لا يُختم وأن الأبواب تبقى مفتوحة
للتعديل والمراجعة والتغيّر. فالشيوعيّون الذين كان منهم (وليس كلّهم)
جلاّدو بولندا، هم الحزب نفسه الذي فرز جسماً اشتراكيًّا ديموقراطيًّا
راجع معنى الهزيمة الكبرى واستخلص دروسها ونقد ذاته، وفي النهاية صوّتت
له أكثريّة بولنديّة أعادته الى السلطة بوصفه حزباً ديموقراطيًّا
برلمانيًّا. الديموقراطيّة لم تحكم على هؤلاء بأنّهم "خونة" و"جواسيس".
لقد أعطتهم فرصتهم، وهم عرفوا كيف يتعاملون مع هذه الفرصة الكبرى.
هل أتيح للضيف البولنديّ الكبير أن ينقل شيئاً من هذه الدروس والمعاني
لمضيفيه اللبنانيّين، وهل كان الأخيرون ليسمعوا في ما لو فعل؟.
|