تحقيق شادي أبوجودة
قبّعة قضاء عاليه البيضاء، شرفة مطلّة على
الشوف وباروكها، بوابة عريضة لبقاع
الزراعة والبردوني، مشكلةً امتداداً
طبيعيّاً وجغرافياً لصنوبرات المتن وتلاله...
هي عين داره، أعلى بلدات قضاء عاليه
واكثرها تقاطعاً مع جيرانها المنتمين الى
أقضية أخرى.
كانت عين داره تتنشّق نقاوة هواء غاباتها
من رئتها الحرجية النظيفة، وتستيقظ على
صوت حفيف أوراق ترقص على أغصانها، أوراق
خفتت أصواتها اليوم أمام ضجيج الشاحنات
والجرافات المتواصل. كانت طبيعتها
الخلّابة ومناظرها المرسومة بريشة الخالق
أول ما يستقبل زوّارها. كانت عين داره
جزءاً من لوحة طبيعيّة لم يشوّهها الزمان
الى أن نكّل بها طمع الانسان.
"عدت الى ضيعتي بعد غياب 20 عاماً، تغيّر
فيها الكثير من بيوت وطرق ومحلّات وغيره.
بحثت عن تلال حفظتها طفولتي وجبال عالية
تحدّت اندفاعي في عمر الصبا، لكنني لم
اجدها إلا في صورة قديمة احتفظت بها
ورافقتني في غربتي". بهذه الكلمات اختصر
ابن عين داره العائد "افتقاده" لما كان
يعرف بجبال ضيعته وخضرتها.
بدأت القصة في أوائل التسعينات عندما
استحصل النائب نقولا فتوش على رخص لكسارات
تسمح له بقضم كميات محدودة من الحجارة
يومياً. وهو بالطبع احترم الكميات المرخّص
بها ولم يقتلع أي بحصة إضافية! منذ ذلك
الزمن والمسلسل يستمر والجريمة لا تتوقف.
تعاقبت حكومات، علت خطابات، كثرت الوعود،
كبر الضرر والقضم مستمر. اللافت لم يعد
غياب حكومة أو غض نظر مسؤول أو عجرفة
سمسار أو تواطؤ محليّ أو حاجة ماليّة أو
ضرر بيئي. لم تعد جوانب الكارثة الطبيعية
المفتعلة في عين داره بالخبر الجديد أو
الحدث الفريد من نوعه. فالجبال التي
يخلعون عنها ثوبها ويعبثون قضماً في
حجارها وترابها لا تزال تصرخ على مسمع
ومرأى من الجميع وفي نقطة التقاء تتقاطع
فيها أربعة أقضية لبنانية تعرف بجبالها
الخضراء وبتنوّع مشارب أهلها وأهوائهم
وطوائفهم.
تشكّل عين داره بسكانها وأهلها ومراملها
وكسّاراتها عيّنة حيّة عن هذا التنوع
والتوازن اللذين "ينعم" بهما الجبل، فبحسب
الـ"كود"توزع
الكسارات أو
على قاعدة 6 و 6 مكرر!
يعلّق أحد أبناء البلدة على الموضوع قائلاً:
"من غير المسموح لأهل عين دارة إمتلاك
كسارة أو بالأحرى لا يحظون بالدعم السياسي
من العيار الثقيل الذي يخولهم إنشاء "مصلحة
حرزانة". الكسّارت من حصّة دروز من خارج
عين دارة ومن حصّة بعض العائلات البقاعية
كآل البسط وآل فتوش ومؤخرا آل حمود، يضاف
إليهم آل الصليبي من حمانا. أما المرامل
فقد اتّفقت العبقرية الطائفية على انها من
حصّة أهل عين دارة دون غيرهم". ويوضح
مسرعاً: "بهذه الكلمات يتحجج أصحاب
المرامل عندما يواجهون بالسؤال عن الضرر
الكبير الذي يخلفونه وراءهم". ثم يكمل: "أما
بعض أهالي عين داره، فليس باستطاعتهم سوى
العمل كأجراء في ظروف صعبة وغير انسانية،
أو الإحتيال على القانون عبر إنشاء مرامل
فعليّة تحت غطاء توفّره رخص "إستصلاح
الأراضي" وعبر دعم سياسي ضعيف لا يبعد
عنهم شبح إقفال المرامل إذا تمّ الضغط
جدّياً في هذا الإتجاه. لقد أصبح الفساد
في هذا الموضوع سياسياً أيضاً، فوزير
البيئة السابق في حكومة السنيورة السيد
طوني كرم وزّع رخص المرامل والكسارات
عشوائياً على جماعته، أما النائب أكرم
شهيّب فلم يوقف إلا مرملة واحدة تعود لشخص
يخاصمه، بينما المرامل الأخرى لم تتوقف عن
العمل، فعلى سبيل المثال لم يتعرّض أحد
للمرملة التي إقتلعت السنة الماضية مئات
اشجار الصنوبر المعمّرة،
.
والجدير ذكره، ان مشكلة الكسارات والمرامل
أشعلت العام الماضي حرباً كلاميّة كادت
تتطور وتهدّد بحرب طائفية، وذلك على خلفية
"أحقّية" العمل في جبال عين داره. وكان
النقاش يدور في هذا الفلك " إذا اراد آل
فتوش المسيحيون "العمل" في جبال عين دارة
فللدروز الحق نفسه أيضا." وتوالت
التصريحات، شيخ يقول ان جبل عين دارة
للدروز فيرد عليه بيار فتوش وأحد مطارنة
زحلة بالقول إن الدروز يريدون تهجير
المسيحيين، واستتبع ذلك إطلاق نار وإنتشار
مسلح وقطع طرق وتهديدات خلال إحدى جلسات
مجلس الوزراء... ومن ثم أبصرت التسوية
النور على الطريقة اللبنانية المعهودة
وقضت بالسماح للجميع "بالعمل"، مما يعني
استخراج البحص بلا مراقبة وبلا دفع ضرائب
وبلا فرض شروط بيئية وطبعا دون الوقوف عند
رأي اهل عين دارة في كل ما يجري على
اراضيهم ومشاع بلدتهم.
المرامل مربعات أمنية
إضافةً إلى الفساد الطائفي، لا بد من ذكر
البعد الأمني المافيوي الذي يقوم به
القيّمون على المرامل والكسّارات، اذ ما
زالت تتردد على ألسنة الأهالي قصة خطف
ثلاثة شبان من قبل احد أصحاب المرامل في
كانون الثاني من العام الماضي.
"كانوا متوجهين لأخذ بعض الصور التي تفضح
عملية التدمير الجارية في منطقة زراعية
وسياحية بإمتياز عندما اعترض طريقهم 20
شخصاً من أصحاب المرامل واعتدوا عليهم
بالضرب واحتجزوهم في "كونتينر" وصادروا
كاميراتهم، وذلك بإنتظار عناصر درك
المديرج الذين اتوا والقوا القبض على
الشباب المحتجزين بتهمة سرقة معدات تابعة
للجرافات التي تعمل في المرملة! ألا يعتبر
هذا الأمر تواطؤاً مفضوحاً بين الدرك
وأصحاب المرامل؟" يتساءل روجيه حداد أحد
أبناء عين داره. ويضيف: "بعد الحادث، أدّت
الضغوط الى إخلاء سبيل الشباب المحتجزين،
بعدما امضوا نهارهم يخضعون للتحقيق، فيما
ينعم من خطفهم بدفء "صوبيا" المخفر مع
اصدقائه من رجال قوى الأمن".
البيئة في خدمة الإمارة...فقط
يتّكئ العجوز المترهّل على عصاه ويدير
وجهه صوب منطقة الشوف مردداً ببطء حزين:
"من هناك تبدأ الإمارة، إمارة المختارة،
تبدأ بسياج حرجي في منطقة عين زحلتا. هو –
اي جنبلاط – يحميها من خلال متابعته
الشخصية للوضع البيئي وعبر جمعيات بيئية
وغيرها. فنحن نسمع بـ "محمية أرز الشوف"
التي من المفترض أن يشمل نطاقها غابات عين
دارة، كما نسمع بغيرها من الجمعيات
والشخصيات والأحزاب التي تعنى بالبيئة،
والتي تقف حدود إهتماماتها عند حدود
الإمارة." ويضيف: "هون المنطقة سايبة.
فالضرر البيئي الذي يُمنع منعاً باتا من
عين زحلتا حتى ساحل الشوف، يباح في عين
دارة بطريقة وحشية مما يترك انطباعاً
بأنها - عين داره - أصبحت المنطقة
الصناعية غير الرسمية للجبل ولجزء من
البقاع. فهنا تجد الكسارات والمرامل
وجبّالات الباطون والزفاتات، حتى ان البعض
حاول الإتيان بمحرقة لنفايات المستشفيات!
أضف الى ذلك مشروع بناء سدّ سيقضي على
أكثر من 50 هكتاراً من الأراضي الزراعية
والحرجية بضربة واحدة اذا تمّ تنفيذه".
يستسلم العجوز لصمت تخرقه تنهدات ثمانينيّ
متأثّر، ومن ثم ترتفع عيناه مجدداً لتلحق
بإصبع أشار به الى منطقة بمهريه وحرّكه
باتجاه حمّانا وصولاً الى فالوغا وهو
يقول: " ليس هناك من ينظر إيجابياً الى
هذه المنطقة، لا يعتبرها أحد من النافذين
أنها منطقة تخصّه أو تعنيه، أي أنه ما من
أحد يحمل هموم أهلها ويساعدهم، لا أحد
يشعر بأن عليه المحافظة على طبيعتها
وناسها وتنميتها بطريقة مستدامة. لا دولة
ولا حزب ولا زعيم، والنشاط الوحيد القائم
في هذه القرى يقتصر على تدمير الأراضي
لتحقيق ربح سريع أو بيعها بحثاً عن ربح
أسرع." يختم العجوز .
بارود غائب ورحّال لا حول ولا قوة
يؤكّد المتابعون أن وزير البيئة محمد رحال
كان قد اتصل بوزير الداخلية زياد بارود
مراراً وطلب منه وقف المرامل والكسارات في
عين دارة. أصدر بارود بعدها تعميماً يقضي
بوقف العمل في المرامل والكسارات غير
الشرعية، إلا أن التعميم أضاع طريقه نحو
التنفيذ عندما سلك درب المحاصصة والطائفية
وضاع في جوارير الفساد ومن ثم دفن بقوة
الضغط السياسي. أمام هذا الواقع يجد أهل
عين داره انهم ينادون وزير داخلية يغيب
كلّياً عن الموضوع بعد إصداره تعاميم لا
أحد يأبه لتنفيذها، ويشكون همّهم لوزير
بيئة يجيبهم بـ" لا حول ولا قوة" ثم يناقض
كلّ تصريحاته السابقة الداعمة للبيئة قبيل
مغادرته الحكومة بعدة ايام. فهو الذي قال
في 14 حزيران 2010 "هناك فساد في الدولة،
نعيشه كل يوم والجميع يشعرون ولا يمكن أن
نكذب على الناس"، لافتاً إلى أن "هناك
أماكن تغطيها البلديات وتأخذ حصصاً، وهناك
صورًا تظهر الكسارات والمرامل تعمل وسيارة
الدرك موجودة داخلها، فهل هناك مهزلة أكثر
من ذلك"؟. ومن ثم أصدر الرخصة التالية
لكسارة في عين دارة في 4 كانون الثاني
2011: "عمل الكسارة الصغيرة هو مكمّل
لنشاط المؤسسة الصناعي [زفاتة] وبالتالي
يساهم في تأمين حاجات السوق والمشاريع
العامة، وإدراكاً منّا بأهمية التوازن بين
حماية البيئة ودعم حركة العجلة الاقتصادية
في البلد، توافق الوزارة ..." .
ماذا عن
البلدية؟
في العدد رقم 245 من مجلة الجيش الصادرة
في تشرين الثاني 2005 صرّح رئيس بلدية عين
داره حينها السيد سامي حداد: " من الناحية
البيئية، سعينا لإقامة منتزه بيئي على تلة
مواجهة للبلدة، وشققنا طرقا إليه بشكل لا
يؤذي طابع الأرض وقمنا بإنارته وتنظيفه من
الشوائب التي تشوّه جماله، فأصبح مكاناً
ممتازاً لإقامة المخيمات الصيفية يقصده
أهالي البلدة وكثير من الزوار، والبلدية
تهتم بشكل دوري بتنظيفه والمحافظة على
أشجاره المحيطة به.وفي الاطار نفسه أوقف
المجلس البلدي اعطاء أي ترخيص لإقامة
كسارة أو مرملة في البلدة أو محيطها. كما
نعمل مع التنظيم المدني لتسهيل صدور
المخطط التوجيهي للبلدة الذي يحافظ على
طابعها القروي".
بعد انتخابات 2009 البلدية بدأت مرملة
سامي حداد الذي أُعيد انتخابه رئيساً،
بالعمل ليل نهار