|
أوّل من نبّه الحركة الاستقلالية على خطورة المشروع "الثيوقراطي" في
المعسكر الآخر
رحل جان سالم.. مفكر التعددية اللبنانية بامتياز
المستقبل - الاثنين 24 أيار 2010 - العدد 3661 - شؤون لبنانية - صفحة 2
وسام
سعادة
ما زال العمل السياسيّ في لبنان، وإلى حدّ كبير، في
غربة تكاد تكون شبه تامّة عن العمل الثقافيّ بعامّة وعن الجهد الفكريّ
بخاصّة. يشكّل هذا الإفتراق الملعون بين ما للسياسة وما للثقافة جزءاً
أساسيّاً من الأزمة التي تعاني منها السياسة أو الثقافة سواء بسواء في
لبنان، ومن الأزمة التي يعاني منها مشروع الإستقلال الثاني، والتأسيس
الثاني، لوطن لبناني يكون قابلاً للحياة، أي قابلاً للتحقّق في دولة
أمّة، أي في دولة تامّة، لها ما للدول الأخرى وعليها ما على الدول
الأخرى.
ويظهر الإفتراق الملعون بين السياسة والثقافة في شكل آخر: ذلك أن
التعدّدية التي لا قيام لوطن لبنانيّ من دونها تجد نفسها، لا سيّما في
السنوات الأخيرة، عرضة لهجمات تأتيها من مصدرين إثنين. المصدر الأوّل
هو ذهنية من طبيعة تنزع نحو الشموليّة الإقصائيّة الإلغائيّة،
المتعايشة أحياناً مع التعدّد إنّما على مضض، ومع السعي الدؤوب لتفريغه
من مضمونه، ولقلبه نقيضاً لما هو، أي المتحايلة عليه، والناقمة عليه،
في كل الحالات. والمصدر الثانيّ للخطر هو ذهنية تحاكي التحلّل
والإنحطاط، وتنهض على أساس محاربة كل رصانة، بإسم مزيج من محاكاة قيم
السوق الإستهلاكي من ناحية، والإحتجاج الأجوف أو "الوهميّ" عليها من
ناحية أخرى.
في زحمة هذه التحديات، وفي وقت تجد فيه التعدّدية اللبنانية نفسها أمام
مصدرين شرسين للخطر من هذا النوع، يأتي غياب
البروفسور جان سالم، أستاذ القانون في جامعة القديس يوسف،
والعلامة العلامة في دنيا الأدب واللاهوت، ورئيس تحرير مجلة "سدروس
ليباني"، والمكرّم من لدن الأكاديمية الفرنسية نظراً لدوره في الدفاع
عن اللغة والثقافة الفرنسية وحمايتهما. بوفاته تخسر التعدّدية
اللبنانيّة مفكّرها بإمتياز، والباحث في الأساس عن "المحدّدات
الإنتروبولوجية للشخصية اللبنانية"، وأحد الذين جسّدوا في لبنان، تلك
الشخصية المفكّرة المحافظة، التي تذكّرنا ببعضاً من عمالقة الفكر
المحافظ بالغرب، شأن كارل شميت وإرنست يونغر، ومن قبلهم جوزيف دو ميستر
وشارل موراس.
في سني الدراسة الجامعة، كان جان سالم "صادماً" لنا في كثير مما كنا
نخاله من البديهيات. من خلاله فهمنا أنّ التاريخ، الأوروبيّ، يمكن أن
يروى ويفكّر بطريقة أخرى، غير الطريقة التي تبجّل فولتير وديدرو وعصر
الأنوار والثورة الفرنسيّة، لتصل بعد ذلك إلى تمجيد العنف الثوري، وعنف
المقاومة الفرنسية، دون أي لبس أو مساءلة. لم يكن يخفي عداءه الشديد
لهذه الثورة، وحنينه إلى أيّام "الثورة المضادة"، وعودة الملكية. لكن
غلوّه هذا كان مدخلاً لنا لإقامة التوازن بين أكثر من خطاب تأريخيّ
أيديولوجيّ لمقاربة الحدث نفسه، ولفهم الطبيعة المتداخلة، المعقّدة،
لكافة أشكال الحرب الأهلية في العصر الحديث.
وفي سني الإستقلال الثاني، كان جان سالم، على ما يكشفه مقال له في
بداية العام 2005، أوّل من نبّه الحركة الإستقلاليّة، إلى المشكلة التي
يطرحها "حزب الله" بالنسبة إلى مستقبل التعدّدية اللبنانيّة، وإلى
الطبيعة "غير التقليديّة" التي يمثّلها هذا الحزب في التاريخ
اللبنانيّ، والتي لا يمكن أن تقارن بتاريخ أحزاب وحركات تبقى
"تقليديّة" مثل "الكتائب" أو "حركة أمل". فلأوّل مرة في لبنان، نحن
أمام حزب ليس عقائدياً فقط، بل ثيوقراطيّ أيضاً، وليس ثيوقراطيّاً فقط،
وإنّما "تدرّجيّ" في طريقة تنفيذه لمشروعه الهيمنيّ.
فهم ذلك جان سالم قبل الكثيرين. رحل جان سالم، وبقيت لنا منه الوصية،
وصية الدفاع عن التعدّدية اللبنانيّة الحضاريّة، والتنبّه إلى مصادر
الخطر، الشموليّة والإنحلاليّة التي تتهدّدها.
|