Home Page
         
E-cards Discussion Carte Statistiques Contact
DIVERS





 

"النهار": الاربعاء 24 شباط 2010

 


الخوري لويس الفغالي في "شمس الزجل اللبناني"

وصل إلى ما يلفت ومسح جبين القوافي بالزيت
 


 

يمعن الشاعر جوزف أبي ضاهر في الغوص على أعماق مياه اللغة المحكية، مسترجعا قصائدها الأولى، ورجالاتها الأوائل، بأبحاث تتصف بالموضوعية والخبرة والدقة والنفس الطويل. جديده "الخوري لويس الفغالي – شمس الزجل اللبناني" الذي نشرته جامعة الروح القدس – الكسليك، بالتعاون مع وزارة الثقافة ضمن إطار بيروت عاصمة عالميّة للكتاب.
يعلن أبي ضاهر في مدخل مؤلّفه أن رصد البدايات صعب، ويقود صاحبه إلى ما يشبه تأويل الظلال، ومعظم ما وصل إلينا من بدايات الزجل كان بواسطة المشافهة، "أمّا ما دوِّن فغير كافٍ لرأي قاطع لا يحتمل المراجعة". لجأ القوّالون في زمن البدايات إلى اللغة الفصحى في زجلياتهم المحكية ولم يراعوا الأوزان والقوافي، إذ هدفوا إلى إيصال المضمون على حساب الشكل، لا سيما أنهم اعتمدوا "القول" للتأريخ، والمبارزة والأحاجي والمديح، أمّا الغزل فقالوه على عفاف وبياض لسان. ويشير أبي ضاهر إلى أن منتصف القرن الماضي يصحّ وصفه بمفترق أو نقطة تحوّل، فالزجل تجلى بمهابة منطلقا من الحناجر أو سائلا في حبر الأقلام، والشعر اللبناني بالمحكية وصل إلى صفاء لغوي لافت، وبدأت التجارب الشعرية تُظهِر تأثرها الثقافي وتفاعلها مع كل جديد شرقاً وغرباً.
في القسم الأول يتناول الشاعر الباحث مسألة "الكهنة الشعراء" مضيئا على رجال دين مسيحيين كتبوا الزجل وقد لا يكون أوّلهم المطران جبرائيل بن القلاعي 1440-1516 اللحفديّ الجبيليّ صاحب الزجليّة الطويلة في وصف نكبة كسروان... وهي على وزن القرّادي. في أواخر القرن السادس عشر اشتهر القسّ عيسى الهزّار بأغانيه الروحية التي تُظهر التأثر بميامر مار افرام ومار يعقوب وبالأوزان السريانية، وهذا التأثّر يتخطّى الموسيقى إلى المضمون والصور والأفكار، وخير دليل على ذلك زجليات الخوري نعمة الله القدّوم الكفري الجبيلي، لما فيها من حضور المناخات التوراتية... وللبطريرك يوسف العاقوري زجليات كثيرة أشهرها قصيدة القديسة مارينا...
يستمرّ أبي ضاهر في استرجاعه تاريخ الزجل مع رجال الدين وصولا إلى القرن التاسع عشر الذي شهد حضور أكثر من كاهن قوّال غير أن الخوري لويس الفغالي كان الأبرز. هو خليل سمعان فرح الفغالي المولود عام 1859 في وادي شحرور. أحبّ الزجل وارتجله في صباه وتبارز مع قوّالي عصره في السهرات والمناسبات وصار ذا صيت وشهرة وتميّز بـ"ذكاء حادّ، وذاكرة قوية، وبداهة نادرة". جدير بالذكر أن إنشاده الزجل تشابَه ألحانا مع "القرّايه"، ما يثبت تأثر الزجل في بداياته بأنغام الكنيسة المارونية – السريانية. ورأى الفغالي أن "المعنى" يعني كلّ أوزان الزجل، وقال بعدم إدخال اللغة الفصحى إليه، بينما يؤكد واقع الزجل حضور اللغة الفصحى القويّ فيه، حتّى في أيّامنا هذه. وقد أغنى الخوري لويس الزجل بإدخال أوزان جديدة عليه.
وإذا كان الفغالي قد ارتدى ثوب الكهنوت بعد الخمسين من عمره فإنه بقي حاضرا في ساحة الزجل، على اقتصاد في إحياء الحفلات والمناسبات، وفي هذا السياق ينشد الخوري في حضرة المطران شبلي بعد ما حصل على الإذن بالغناء: "أمرك سيّدنا المطران/ حيث وقت العجايب حان/ منحطّ الطابيِّه هون/ ومنرجّع خليل سمعان".
"
شمس المعنّى الفريدة في المطبوعات الجديدة" أوّل إصدار للخوري لويس الفغالي، وقد أعيدت طباعته لكثرة الإقبال عليه. وضمّ حوارات وقصائد مناسبات ومدائح ومراثي تظهر كلّها فرادة صاحبها في التمكّن من الارتجال، والإتيان بجديد الصور على متانة في الصياغة. وأصدر الفغالي جزءا ثانيا لشمس معنّاه، وكتابا ثالثا بالعنوان نفسه. وله أيضا "كتاب عزرايل القوّالين الجهلاء"، وفيه رد على القوّال شديد فارس غصن، من مزرعة النهر، وهو من منتقديه، ويظهر هذا الكتاب كيف أن "القول" يوصل إلى العداوة بين القوّالين، وطالما كان سببا في قرانا، أيّام زمان، لنشوب الخلافات الحادّة التي لا تقتصر على من يقول إنما تطاول المحمِّسين المنقسمين فريقين بعصبيّة كبيرة. وأصدر الفغالي "قصّة البطل اللبناني الفارس الشهير الطائر الصيت المرحوم يوسف بك كرم" في طبعتين، ونشر في الثانية قصيدة ابنه أسعد (شحرور الوادي) في يوسف كرم. ويشير أبي ضاهر إلى أن الفغالي زاوج في قصّة كرم بين النثر والزجل، ولجأ إلى الفصيح في محكيّه على ركاكة ووهن في الأسلوب. أما آخر إصدارات الفغالي فكتيّب تحت عنوان: "زنبقة الشرق ووردة الغرب وتحفة البر ودرّة البحر"، وهو كناية عن قصيدة في البطريرك أنطون عريضة.
أتقن الفغالي التأريخ بالقصائد، وقد درج منذ زمن بعيد في التراث الشعري العربي، ونظم أزجالا تتصف بالإعجاز أسلوبا وتركيبا وذلك بهدف إثبات الذات، ولو أن المضمون في هذه الحال هو ضحية الشكل. ويقسم أبي ضاهر حياة الخوري لويس قسمين: الأوّل وهو علمانيّ واسمه خليل سمعان والثاني بعد انتسابه إلى سلك الكهنوت. فالعلماني قصد الغزل من باب واسع، والخوري روحَن زجله ومسح جبين القوافي بالزيت.
يمثّل نصّ الخوري لويس الفغالي خطوة متقدمة في مسيرة الزجل اللبناني على مستوى إغنائه بالأوزان، وفتح نوافذه على بعض من مجاز جديد، وجعله أكثر فأكثر حاضرا في الحياة اليومية والمناسبات. لكن الموسيقى لم تصل إلى انسيابها البهي في زجل الفغالي، وقاموس العربية الفصحى أساء كثيرا إلى النص الذي من المفترض أن تكون مفرداته منتسبة إلى لغة الناس المحكية، إضافة إلى أن الصورة الشعرية الحديثة بقيت ضمن إطار المحسوس والقريب تلفت ولا تدهش...
إن ما يقوم به الشاعر جوزف أبي ضاهر نشاط بحثيّ شاقّ، وأهميته أنه يحمي تراثا من الاندثار، ويقيه لعنة النسيان، بأمانة قلّ المتصفون بها، لأننا نشهد في زمننا مؤلّفات تهتم بشعر المحكية وتراثها، وللأسف الشديد، فإنّ أصحابها ضحايا الهوى و"النكاية" والأميّة والتجارة. وعليه: سلمت يدا جوزف أبي ضاهر.

 

قزحيا ساسين     

ص 19


 

 

 
 

Espace Économique - Espace Municipalité - Espace Culture - Espace Historique
Contact - Statistiques - Carte - Discussion - E-Cards
  free web site counter

   Designed and Developed by Webserv

                                                                                            Created by C & C Najjar

ع