|
عن النهار 28022011

ماذا
بعد البطريرك ؟
بإعلان الفاتيكان رسمياً قبوله
استقالة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس
صفير، تكون الكنيسة
المارونية قد أبحرت في العد التنازلي لأخطر استحقاقاتها
إطلاقاً في الألفية
الجديدة، عبر عملية الانتقال للسلطة الكنسية الجديدة. ذلك
ان الـ 11 سنة الاخيرة من
25
أمضاها البطريرك صفير في السدة البطريركية شكلت في واقعها
ذروة التوهّج في سيرة
بطريرك تاريخي بكل المعالم والمعاني والأبعاد والحقائق
المتصلة بشخص شاغل هذه السدة
او بالتحولات التي عرفها لبنان عموماً والمسيحيون خصوصاً،
وبدا معها العامل الساحق
في معيار تأثير الكنيسة المارونية على المسار اللبناني
خلال هذه السنوات محصوراً
تقريباً بالمصير "الوجودي" للمسيحيين.
ولئن يبدو طبيعياً ان تشخص الانظار من
الآن وحتى تصاعد الدخان الابيض من مدخنة بكركي منبئاً
بانتخاب خلف البطريرك صفير،
نحو اسم الوافد الجديد الى السدة البطريركية، غير ان هذا
الواقع الوجودي ذاته يبدو
هو القضية التي تتجاوز بأهميتها الاستحقاق الكنسي وتثقل
على اي بطريرك منتخب جديد
اعباء من نوع مختلف حتى عن تلك التي واجهها سلفه في ظروف
الحرب والسلم
الدراماتيكية.
سيكون امام المجمع الانتخابي الكنسي لدى التئامه مسألة
مزدوجة هذه
المرة، وليس مجرد اختيار بين عدد محدود من "مرشحين" مضمرين
فحسب.
الوجه الاول
للاستحقاق يتمثل في المعايير الاستثنائية التي طبعت وستبقى
تطبع الى مدة طويلة
الاختبار الاول للخلف البطريركي قياساً بسلفه حصراً. فكل
الثرثرة اللبنانية على
جوانب هذه المسألة ستسقط في تلك اللحظة عند حقيقة صنعتها
سيرة البطريرك صفير التي
جعلته يصعد الى مرتبة واحد من نخب البطاركة التاريخيين
التأسيسيين الكبار في حقبة
تاريخية – بلا اي لبس او جدل. هذه السيرة، متوجة بخروج
مشرّف طوعي من المسؤولية
الكنسية، لن يكون معها اي مجال لسخافة السياسة والمواقف
الهابطة والمفاهيم المسطحة
الصغيرة حين يتعيّن على اعضاء المجمع الانتخابي الاختيار
الحاسم. لن يكون في
"الوجدان
الانتخابي" في تلك اللحظة سوى انتخاب من يتراءى للمنتخِبين
اقترابُه بالحد
الادنى من "المعايير" الصعبة الاسثتنائية التي تركها السلف
الكبير المستقيل، لان
ربع القرن الكنسي والوطني في "عهده" بكل ما حمله من
توجهاته ومواقفه حيال احداث
وتطورات وتحولات ضخمة، كفيل بمدّ هالته على المعايير
الانتخابية والتحكّم بها
تحكماً ساحقاً. فحتى لو اقتضت سنة التغيير البديهية
الاطلالة على العقود المقبلة
بسلطة كنسية متغيّرة ومتلائمة مع المتغيرات المذهلة لهذا
القرن، لن يكون ممكناً
تجاهل الاثر الساحق الذي خطّته سيرة البطريرك التاريخي في
الدفاع عن مصير المسيحيين
ولبنان ووجودهما من الباب الاعرض، وهو الباب السيادي وباب
الحريات.
اما الوجه
الآخر للاستحقاق، ولعله الاشد خطورة، فيتمثل في اختيار
مصيري بحق الكنيسة في
مواجهتها لمستقبلٍ كل شيء فيه ينذر بشرور التصحر الحضاري
في هذا الشرق. لا يزال
لبنان، رغم كل ما تعرض المسيحيون فيه وعرضوا انفسهم لخطر
التذويب والهجرة، البلد
الذي يقترن فيه وجهه وصورته بالطابع التعددي الفوّاح. ولا
يزال المسيحيون قبلة
انظار شركائهم. ومع ذلك فالامر لا يطمس وجهاً آخر قاتماً
وداهماً "يرشّح" المسيحيين
في الشرق لان يصبحوا "هنوده الحمر".
في استحقاقها الانتقالي الى سلطة جديدة،
تبدو الكنيسة المارونية امام جراحة هي الاصعب، يتعيّن
عليها فيها ان تُحدث الصدمة
الحتمية، صدمة التغيير بالانتقال الى المؤسسة الحديثة
بمعايير السنة 2011. وحتى
بمعايير البطريرك الذي طبع الكنيسة بمفاهيم المقاومة
اللبنانية والدفاع عن المصير
والسيادة والاستقلال، لن يكون ذلك وحده كافياً لمواجهة
تبدلات مذهلة، انْ على مستوى
خطر اندثار المسيحيين او على صعيد تحديث الكنيسة ومؤسساتها
ومواكبة العصر وتحديات
الخصائص اللبنانية من جهة، وانماط العمل الكنسي من جهة
اخرى.
لم تواجه الكنيسة
ذات التأثير الاقوى في تاريخها مشكلة "انتقال سلس" للسلطة.
لكنها هذه المرة ليست
مسألة ديموقراطية كنسية فقط، ودخان بكركي لن يعلن اسم شاغل
الصرح فحسب، وهنا
الاختبار الاخطر للانتقال من البطريرك التاريخي الى
المؤسسة الكنسية.
نبيل بومنصف
|