|

في ذكرى حرب المتين
أيّام الشؤم
22032010
كنا طلابا في الجامعة اللبنانية تراقصنا الحياة ونحن نجاريها لاهم ولا
غم. دنيانا خمر وصبايا وسهر وثورة وشعر وفكر وأحلام . وكانت فترة
امتحانات لا نأخذ منها على محمل الجدّ الآ اليسير فمعظم من درّسنا في
تلك الجامعة البائسة يسعى الى عيشه كسائر موظفي الدولة في ذلك الزمن
العاثر حتى أننا كنا نحن السؤال وكنا الجواب ما يميزنا اننا طلاب
كلية التربية اهم كليات الجامعة اللبنانية على الإطلاق لما يتمتع به
روّادها من سطوة علم وسعة اطلاع .
.وكانت الدنيا صيفا، وكنا نهمّ قرابة ظهر ذلك اليوم بتقديم مسابقاتنا
لنغادر باتجاه شاطئ السان سيمون حين وقع علينا خبر الشؤم: "لقد خطف
ميشال ابو جودة" !!!
في 4 تموز 1974خطف ميشال أبو جودة كاتب العمود في جريدة النهار ورئيس
تحريرها وفي السابع من تموز إيّاه نشرت جريدة النهار مقالا رؤيويّا
وكأنه خارج لتّو من بين صفحات العهد القديم ممهوراً بإمضاء جلال كشك.
لقد ارعبنا المقال ودارت بين رفاق الكلّيّة نقاشات ، تملكنا الخوف
وأيقنا ان بيننا وبين احلامنا سوء تفاهم كبير أكان هذا الإسم المحيّر
جلال كشك نبيا او بتاع مخابرات
في نهاية الأسبوع وكنت في المتين سألني أحد أعمامي - نجيب - عن
مقال جلال كشك فقلت :"الله يستر" ثم قال ان هذا الكاتب يتحدث كنبي فمن
تراه يكون؟ قأجبته انه ميشال أبو جوده
في ذلك الوقت لم يكن احد يصدّق ان نبوءة ميشال ابو جودة سوف تمر علينا
في المتين بعد اقل من سنة ونصف السنة. عمّي نجيب كان يستشعر ذلك وكان
مرعوبا سكنه الهم هو الذي خسر بعد حين في جنون الحرب شابا عصاميا
مقاوما وابنة صبية كانت تشتري الخبز من احد افران انطلياس فسحقها
الإنفجار.
لقد صحت نبوءة ميشال ابو جودة ولم تترك الحرب ذقنا الا ومررت اظافرها
فيه فلنقرأ معا" هذه النبوءة، هذا الشؤم الذي تحقق ومرّ من عندنا
مبارك المجد الآتي .....
لقد أصبحنا في يوم الحشر ، كل يصيح نفسي... نفسي... واذا كانت بعض
الأقلام ما زالت تكتب بحرارة ، فذلك بحكم القصور الذاتي ، ولأنها لم
تستوعب بعد حقيقة ما يجري في بلادنا....
اننا نواجه عمليّة تغيير كامل لخريطة المنطقة.... دول كاملة ستزول ،
ودول جديدة ستقوم ، بقايا امبراطوريّات ستكنّس كنسا" ، ويقتلع ما بقي
لها من جذور عطنة ، ولكنها لا تزال قادرة على خلخلة الارض من حولها ،
وتقويض أكثر من بنيان قبل أن تنتزع ويلقى بها في مزبلة التاريخ.
امبراطوريّات جديدة ستقوم ، ولا بد لها من تصفية كل من يعترض طريقها.
لقد تمّ الإتفاق على الحدود ، ووضعت خطوط القسمة ، لكنّ النيّات غير
صافية ، ولا بد من تعديلات طفيفة هنا وهناك ، وسيجري التعديل بالسكين
والقنبلة والمسدّس الكاتم للصوت والسيارة ذات الرقم المزوّر والتي تسير
عكس السير ، فلا يخالفها أحد!
وكل هذه التعديلات ستجري في الجسم الحي للذين يقاومون ، أو يعترضون ،
أو حتى يشك في أنّهم يعرفون!
انها لحظة موت عالم قديم ، لكنه موت بلا ميلاد... عمليّة اغتيال يرث
فيها القاتل تركة القتيل ، ويذبح القصّر والأيتام....
ستقطع رؤوس كل الذين يعرفون السر ، وستفقأ عيون كل الذين رأوا ولم
يؤمنوا ، وستقطع السنة كل الذين يمكن ان ينبسوا بالكلمة الممنوعة.
ستكون ظلمات فوق ظلمات.... وسيفزع الرجل في مخدعه فيبيع صديقه وبعض
أهله.
ستكون حروب ليس لها شرف الحرب ، وثورات تشين سمعة الثورات ، وبطولات
يسجلها قتلة بالأجر!
ثمّ يختفي الظلام.... فلن تبقى عيون تراه... وتصبح للناس ، كل الناس ،
السنة طويلة ولكنّها لا تحكي ، وآذان دقيقة لا تسمع الا ما يقال لها.
يومها لن يخطف أحد.... فما من أحد يخطف احجار الطريق .
ولن يقتل أحد.... فالكلّ موتى.
سيعم السلام.
ويسير الحمل مع الذئب...الى حيث يأكله.
وتبقى البيوت بلا أبواب ...فما بقي شيء يسرق.
صلّوا من أجل أن يكون عبورنا لذالك اليوم العظيم سريعا وخفيفا.
اللهم لا نسألك رد القضاء بل اللطف فيه.
يا رب الهمهم ان يحسنوا القتل ويتقنوا الخطف لتقل آلامنا.
وهلّلوا : مبارك المجد الآتي باسم الحل!
(جلال كشك – جريدة النهار في 7 – 7 - 1974)
تعليقا" على خطف ميشال أبو جوده
|