|
رحلة الى أميركا
أميركا أميركا
عالم جديد وبعيد، قاراتٍ وبحار ، طريق المطار وكلفة السفر، الدولار ب40
ليرة، البيت، العين بصيرة واليد قصيرة.
كل هذا صحيح، الا أن أميركا ومن تحب يستحقون السفر والتعب، يستحقون
كلّ شيء.
إذا دبّر حالك يا رجل. إقطع تذكرة السفر، لملم حوائجك ، أتكل على الله
فأنت بحاجة الى راحة، الى هدوء، وأنت تعرف تماماً أن الراحة والهدوء لن
يكونا الا مع من تحب، مع مملكتك الصغيرة ، مع العائلة.
وهكذا كان. جمعنا الحقائب، اتكلنا على الله، قطعنا الخطوط الخضر
والحمر حتى وصلنا الى المطار.
في مطار بيروت شعرنا بالغربة، كنا نتحدث بصوتٍ منخفض . في قاعة
المسافرين الدقيقة ساعة والساعة شهر. في الأمن العام في يدّ بعضهم
لوائح ، زادت دقات القلب بالرغم من كونك مسكيناً لا نافة لك ولا جمل.
في الطائرة المملؤة حتى آخر مقعد تشعر بالحزن، لان المطار لم
يكن بهذا الشكل ولا الطائرات الكبيرة ولا حتى الركاب. في الطائرة تشعر
بالغربة والحزن والحنين. مسكين الطيران في لبنان، لا يستحق هذا الواقع،
انه بريء حتى الطفولة. لا عجب فكل لبنان بريء، كل الناس أبرياء حتى
المقاتلين منهم.
أقلعت الطائرة فزادت دقات القلب واصبحنا في سجن حقيقي تحت رحمة عدد
من الجلادين : الطيار الميكانيكيون غرفة الملاحة ،الطبيعة ،قراصنة
الجوّ والاخطر من كل ذلك هو أن ثقتك بكل منهم محدودة ومحدودة جداً.
بعد فترة تعودنا الخطر وبدأنا نفكر بالاكل والشرب, كما بدأنا نتحدث
الى الجيران. فقد كان عن يمينك ميكانيسيان سكير من برج البراجنة ، وعن
يسارك فتاة من غزير مقطوعة النفس، مخطوفة اللون. أما على المقعد الآخر
والمقابل فكان أنسان أكول حمل معه الى الطائرة زوادة كبيرة من المناقيش
واللحم بعجين وأصر عليك أن تأكل فأكلنا وشكرنا جداً ! جداً !
وصلنا الى فرنكفورت . والمانيا جميلة من فوق كما هي جميلة من تحت .
قرى ومدن بغاباتها السوداء وحركة مطارها لا تنقطع حيث تنتظر دورك
للهبوط كما تنتظر دورك بالاقلاع.
بقينا في الطائرة التي أقلعت من جديد بعد ساعة زمان وبعد أن نزل منها
معظم الركاب الا القليل الذين قصدوا كوبنهاغن.
كوبنهاغن مدينة شمالية جميلة دون غرور حالمة حتى الضياع، هادئة حتى
السكوت، جالسة على الشاطئ ومتطلعة نحو البحرمن خلال سيدتها الجميلة
والحزينة .
ينتابك فيها شعوران . الاول انك انسان محترم بين اناس متحضرين . أمّا
الثاني فهو الخجل لكون بني قومك غرباء عن الحضارة منتمين الى العالم
الثالث وربما الرابع.
في فندقها الفخم جداً حيث كنا فيه ضيوفاً، طبعاً، تذكرنا نصيحة أحد
الاصدقاء "عاطف"، ولكننا لم نعمل بها. سامح الله عاطف!
عشنا فيها قرابة العشرين ساعة ،دهشنا لمعظم ما رأينا رغم بساطة كل
شيء . لماذا؟ لا أدري. ربما لاشتياقنا الى الحرية والبساطة والهدوء
والرقي والتطور.
شمسها تغيب عن قرميدها الاحمر حوالي العاشرة ليلاً، أهلها اسكندنافيون،
شقر، يحدثونك بانكليزية طليقة ،بهدوء واحترام وبابتسامة عذبة صافية .
ودعناها ظهر اليوم التالي قاصدين نيويورك، ومن داخل الجانبو الرائعة
ومن سماء الاطلسي الكبير بدأنا التطلع مرّة الى الساعة ومرّة الى
البحر. للساعة نسألها عن موعد الهبوط، وللبحر علّنا نرى فيه منذ أيام
كولومبس تائهاً يطلب النجدة فنهدي الملاح اليه، وبينما كان البحر قد
ابتلع كل الضالين فيه ، كانت الساعة رغم بطئها اكثر رحمة حيث لم تخيّب
أملنا وحيث هبطنا في مطار نيويورك بعد ساعات ثمان من الطيران .
الى نيويورك وصلنا مساء بتوقيت الشمس وصباحاً بتوقيت القمر . ذلك ان
القمر الذي اشرق على الرصيف كان أكثر اشعاعاً وأكثر دفئاً والباقي
كلام.
من نيويورك الى نيوجرسي، وخلال نصف ساعة فقط تتعرف الى نصف أميركا
ناطحات سحابها وبيوتها الخشبية، وجسورها العملاقة والانفاق، أنهارها
وخضارها الدائم، شعبها الابيض والاسود والبين بين .
في نيوجيرسي تستقبل بحرارة ، وهذا طبيعي ، فأنت بين الاهل ، تستقبل
الضيوف _أبناء البلد_ تسلّم المكاتيب والامانات. كل هذا ينتهي خلال 24
ساعة. بعدها تصبح شبه وحيد حيث كل واحد في عمله.
وبعد أسبوع تشعر بالضجر خاصة أن الطفر بدأ يدق أبواب جيبك الذي أودعت
فيه بعض الدولارات بسعر أربعين ليرة . وعندما تطرح فكرة العودة المبكرة
وأنت الذي لا تعمل شيئاً من جهة وليس بمقدورك أن تكون سائحاً في بلاد
الله الواسعة من جهة ثانية تقوم القيامة وينتهي الحوار بأن تعمل مع
أقاربك هناك في الفرن حيث تصبح بعد يومين فرانا من الطراز الاول. لا
بأس في ذلك ما دام أجرك في الاسبوع 250 دولاراً وما دام اللقب "أستاذ"
يرافقك أينما ذهبت ومهما عملت ، وأكثر من ذلك فان زملاءك فيه كان منهم
المهندس وطالب الطب والايرانية واللبناني وربما كان أفضلهم الزنجي
"مستز أندرسون" الذي كان يعمل أمام بيت النار والذي كان شعاره دائماً:
NOPROBLEM
.أما في المساء فتتحول الى شخصٍ آخر حيث ترتدي ثياباً حلوة، تزور او
تزار او تخرج مع ابن العم شربل ورفيقة العمر طبعاً الى نيويورك الكبيرة
والعظيمة جداً جداً.
ليل نيويورك صاخب مثل نهارها، ضاقت طرقاتها بالمارة فحفروا طرقات تحت
الارض، وضاقت أرضها بال 12 مليون نسمة فبنوا ناطحات للسحاب ولما ضاق
البر باهلها "ملأوا ظهر البحر سفينا".
لنعد الى الغرب، فبالرغم من انك (صانع فران) شرعاً فأنت لا تزال ضيفاً
واستاذا والاهم من ذلك أنت الصهر العزيز وبالتالي فمن حقك كل أسبوع
بمشوار الى مدينة هامة وحلوة، ربما كان أهمها فيلاديلفيا وواشنطن
وبوسطن . واذا سمح لنا بالاختيار فلتكن بوسطن.
في أميركا الكبيرة ومناطقها الواسعة ترى اشياء وكأنك تعرفها من زمان
لكثرة ما قرأت عنها في التاريخ والجغرافيا والسياسة والاقتصاد.
فمن نيويورك صانعة التجارة والمال الى فيلاديلفيا صانعة التاريخ الى
واشنطن التي منها تخرج سياسة العالم الى بوسطن، سيدة المدن ، صانعة
الفكر والتكنولوجيا عبر جامعتيها العظيمتين هارفرد وام آي تي
MIT وصانعة
التاريخ من خلال حفلة الشاي الشهيرة سنة 1773 وصانعة الانسان بالذات
الذي يفتخر بمدينته هذه ويعمل للحفاظ عليها.
اللبنانيون في أميركا هم اللبنانيون ولكن في أميركا قسماً منهم ذهب
من زمانٍ بعيد وقسم من زمانٍ قصير، وكلهم سيعود قريباً الى الوطن الام
الا ان واحدا منهم لن يعود فأميركا بالوع بشر وللدولار رائحة طيبة
ذهبوا من هنا وحملوا معهم كل شيء ، حملوا لبنانهم ولبنانيتهم،حملوا
أحزابهم وحزبياتهم حملوا قديسيهم وعباداتهم.
وفوق ذلك حملوا معهم الكبة والتبولة والحمص والبقلاوة واللحم
بعجين والى ما تسير من كل أكل وشرب ودلعونة وعتابا (وبحبك يا لبنان يا
وطني بحبك).
اللبنانيون في أميركا مساكين، متألمون . بعضهم يخجل بلبنانيته ويتألم
و بعضهم يفتخر بلبنانيته وعندما لا يجد من يصدقه يتألم أيضاً وكلاهما
يفش خلقه باغاني فيروز ووديع الصافي وصباح وسميرة توفيق وباحد الوافدين
الى العالم الجديد ليستوضحه عن الوضع في الوطن الممزق الجريح المذبوح
من الوريد الى الوريد.
أميركا أميركا
سأزورك بعد، سأزور فيك نيورك وفيلاديلفيا وواشنطن وبوسطن، سأعمل في
أفرانك مراراً وتكراراً ، سأمتع النفس بكل طيب وجميل سأحترم فيك أهلك
وديموقراطيتك وأنظمتك وكل مظاهر العظمة. ولكن لن أعيش فيك مهاجراً ما
دمت أستطيع العيش في وطني .
نعيم بارود
|