DIVERS


 


 




 

" النهار": الثلاثاء 20 نيسان 2010

تحت الضوء
"
مــذكــــــرات رنـــدا الـــتــــــرانـــس" لــحــــــــازم صـــاغـــيــــــة



ســـــيــــرة تــجـــمـــع ســيـــرتــين وأكــثـــر

 

"لماذا هناك آلاف الأجناس من الزهر لكلّ منه لونه ورائحته، وليس في البشر غير جنسين مكتملين مستويين بوصفهما هذا؟". بمثل هذا التساؤل الوجودي تفتتح رندا سيرة حياتها التي تحكّم فيها "ذاك الحدث المهول" الذي حصل قبل أن ترى النور، من دون ذنب لها في ذلك، بل من دون ذنب لأحد. تساؤل وجودي يفتح الباب على تساؤلها حول عدالة الله، ويشكل مدخلاً لرواية رندا سيرة حياتها المتأرجحة بين ألم داخلي عميق ناتج من كونها "ترانس" ترغب بأن تحيا فتاة كاملة الأنوثة ويقف جسدها المتشكل على هيئة رجل حائلاً أمام رغبتها الداخلية، وبين ألم مصدره الخارج المجتمع الذي وجد فيها هدفاً لإنزال العنف الناتج من دفن حقيقة إنسانية عميقة، هي حقيقة الإزدواج الجنسي المكبوت في كل كائن، والتي تحدث عنها كارل غوستاف يونغ.

كانت اللعبة حلاً

في كتابه "مذكرات رندا الترانس"، الصادر حديثاً عن "دار الساقي"، يكتب حازم صاغية سيرة حياة رندا، مسرحها تبسّه الجزائرية، تحكّم فيها حدث بيولوجي تأسيسي هو حدث تعرضها، وهي جنين في الشهر الثالث، الى كمّية من الأوستروجين تفوق ما تعرّضت له من التيستوستيرون. فكانت رندا نفسياً، وكانت بيولوجياً ظاهرياً كما اجتماعياً، فؤاد، الإبن البكر الذي أُريد له أن يكون رجل البيت.
في سنوات دراستها الأولى، اختارت رندا اللعب مع البنات، هاربة من "خشونة" لعب الصبيان و"عنفهم". كانت تختار لنفسها أدواراً "بنّاتية" في لعبها، من دون أن تواجه امتعاض الأهل في هذه البدايات، "فعندما كانت أختي، مثلاً، تطلب لعبة بنّاتية كانوا يشترون لي لعبة أخرى أطلبها من النوع نفسه".
منذ سنوات الطفولة هذه تبدّت لها رغبات أنثوية كالرقص الشرقي وحب الخياطة، كما تبدّى لها وجوب قمع هذه الرغبات بسبب عدم استحسان محيطها لها. كبتٌ عايشَته حتى على مستوى التعبير اللغوي: "كان يخامرني، مثلاً، أن أقول: أنا جوعانة، فأقلع عن ذلك وأقول: أنا جوعان، جاعلةً لساني ينطق بما لا يأمره بي عقلي".
رندا هي شاهد حيّ على النظرية الفرويدية التي تحلل النمو النفسي للطفل في علاقته مع والديه. يخبرونها أنها كانت تكثر الجلوس في حضن والدها وإلقاء رأسها على صدره، بعكس الميل المعروف عن تعلّق الصبي الصغير بأمّه وتمثّله بوالده للفت انتباهها.

كما جميع النساء

لم يتأخر بزوغ شعور رندا الواعي بأنها كباقي النساء. لقد ظهر في هذا الشعور في سن الخامسة أو السادسة. "هكذا صرت أتوقع أن ينشأ لديّ صدر في أيّ لحظة وأن يكبر تماماً مثلما تكبر صدور النساء". بدأ تكوينها البيولوجي الظاهر يزعجها، فكانت تكره قضيبها الذي عاينته كـ"حربة في جسمي"، وتتمنى لو أنها لا تمتلكه.
ميولها الأنثوية لفتت نظر أهلها، فحاولوا قمعها من خلال حرمانها اللعب، وقصّ شعرها قصيراً جداً، وفي فترة لاحقة سجّلوها في نادٍ للكاراتيه، فتدهورت علاقتها مع أهلها، وخصوصاً مع أمّها التي كانت لا تكفّ عن تعييرها بأنها "مْرَيّا"، أي شبه امرأة.
كانت تعزّي نفسها بمعلومات مستقاة من بعض الحضارات، كتسمية الشعوب المحلية في أميركا القديمة لمزدوجي الجنسية بـ"ذوي الروحين"، تكريماً لهم، وكاستحضار ذكرى بولنت إيرسوي، المغنية التركية الترانس، التي تعتبر أهمّ من غنّت الموسيقى الشعبية والكلاسيكية العثمانية، والتي احتضنها شعبها "المسلم"، وسمّاها "أبلا"، أي الأخت الكبرى.
كان يخفف عنها شعورها بأنها ليست "خطأ مفرداً في عالم من الصواب"، ما بثّه فيها تعرّفها الى "خنثى" في رواية "قصر اليهودية" لغي دي كار، كذلك في روايته "سيّدة ما". تقول إن "كتب الأدب بقيت أساساً مادة علاجية لي، تفعل بي تماماً عكس ما يفعله الأهل"، وتضيف أنها تنسب الى الرواية "فاعليّة ربّانية" كانت تلمسها "أكثر مما ألمس قدرة الله على تحويلي".
لم تلبث رندا أن بدأت تكتشف نوعاً آخر من الإضطهاد الناتج من استغراب الناس لها، الذي كثيراً ما ينقلب "عدوانية صريحة متجرئة"، جعلتها ترى في الرجل ذلك "الكائن الفظ الذي تقلبه غرائزه دباً أو خنزيراً"، مفضلة عليه البنت التي "تهفو وتحنّ وترى في العلاقة مع بشر آخرين ما يبثّ الدفء فيها وفيهم".

جزء من "الشعب"

تصف رندا وطنها الجزائر بأنه كان "فردوس الرجال وحدهم". فقبل كل شيء كان وصف أحدهم بأنه امرأة يعادل "شتيمة". حاولت الهروب من القيم الثورية الرجولية واللجوء الى التديّن، فجاء تديّنها، الذي لم يطل، عنيفاً. ولكن هويتها الجنسية لاحقتها حتى شعائر الدين. تروي أنه "كان ينتابني شيء من الانجذاب الجنسي حيال المصلّين الرجال الذين أدسّ جسمي بين أجسامهم".
في المدرسة، عانت من اضطهاد الأساتذة الذين "عبري يؤكدون سلطانهم ويشحذون أناهم". لا تزال تذكر بكاءها طوال ذات مساء بعدما نعتتها أستاذة اللغة الفرنسية بـ"بنّوت" (fillette). صار "الكلّ" ينادونها "مرّايا"، كما أمّها، "حتى غدت، عندها، بمثابة اسم ثان لي".
لم تتصالح مع جسدها يوماً. كانت تضع دفتراً على صدرها، وهي ذاهبة الى المدرسة، لإخفاء غياب الصدر. تروي أنها عندما استمنت للمرّة الأولى، كما يفعل الذكور، "أحسست أن جسمي يتفجّر من داخله، وكذلك روحي، فينشقّان عن شيء كريه لا تنقصه إلا الرائحة المقيتة". لكنّها كانت تستحضر في خيالاتها صوراً لذكور، هي معهم "في دور المفعول".

الرغبة بقتل فؤاد

قلقها الوجودي طاول اسمها. ففؤاد لم يعن لها أيّ شيء، لا بل كان يجسّد قمع المحيط لمكنوناتها. استولى عليها هاجس "أن فؤاد ينبغي أن يموت، وأنّ عليّ أنا أن أقتله بنفسي وأن أهيل التراب عليه". اختارت لنفسها اسم رندا، وهو الإسم الذي كانت ستطلقه عليها أمها لو أنها ولدت بنتاً، وهو اختيار يعكس عمق توقها الى اعتراف امها بها.
كانت تشاهد الأفلام البورنوغرافية على قناة "كانال بلوس" الفرنسية. كانت تتخيّل نفسها في الأدوار التي تشاهدها مع الممثل. تقول: "كنت... أتخيّل ذاك العضو الذي على الشاشة داخلاً فيّ من أيّ ثقب شاء. كنت مستعدّة أن أستقبله في كل مكان ينفتح فيّ".
رسمت في مخيّلتها صورة فتى أحلامها، صورة لم تجدها في حياتها، فبدأت تؤخذ بالعلاقات العابرة. ثم مع مالك كان الحبّ الأوّل.
في عملها كممرضة، كانت كالفتيات تلبس مريولاً قصيراً، فكان "هذا الإمتياز الذي كثيراً ما أسعدني". لكن والدها أراد لها أن "تسترجل"، فدفعها الى تأدية الخدمة في الجيش. "الجيش فردوس المثلية والمثليين". هناك، كانت تجارب جنسية كثيرة، كإقامة أربع علاقات متتالية مع أربعة رجال. وفي أولى مأذونياتها تعرضت للإغتصاب في احد الفنادق.
تعرّفها الى كمال، كان بداية علاقة حب كبيرة. لكنه كان يرفض مناداتها بصيغة المؤنث. كما "ان قضيبي كان مصدر إثارة له فجعل، كما تفعل النساء، يمسكه، ويشدّ عليه ويكاد يعتصره كلّما مارسنا الجنس". كانت تتضايق من تصرفه هذا ولكنها كانت تتقبّله بدافع الحب.

الهوية: ترانس

تعرّفت الى كلمة ترانس للمرّة الأولى إثر مشاهدتها حلقة من برنامج ميراي دوما على محطة "فرانس 2" بعد أكثر من عشرين عاماً من وجودها. "أحسست أنّي ولدت من جديد. لقد صار لي إسم طويل ما بحثت عنه. لقد استقام معناي". فكلمة gay bottom التي تعرّفت اليها في الرابعة عشرة من العمر لم تكن تسمّيها. من خلال الحلقة نفسها، تزودت عنوان إحدى جماعات الترانس الناشطة في باريس. راسلتها فأرسلت اليها وصفة للعلاج بالهرمونات. كان العلاج واعداً، ففي صدرها، "راحت تتسع، يوماً بعد يوم، مساحة النهدين وتكبر حلمتاهما الزهريتان". لكنها أوقفت العلاج خوفاً من الفضيحة الاجتماعية التي ستنتج من بروز علامات التغيير الحاصل.

امرأة تتزوج امرأة

تحت الضغوط، زُوّجت الى سهام، بنت خالتها. كانت تستخدم الفياغرا لتتمكّن من ممارسة الجنس مع سهام، وبعد فترة، دخلت بها "دخول المكسور الذي كان يفضّل تجنيبه الكأس المرّة، فكأنّي فاتح من دون فتح، أو صانع يخجله صنيعه". كان الجنس مع سهام "مهمّة شاقة"، "لا أكون أتخيّل إلا قضيب كمال يخترقني"، تتحدث عن تلك اللحظات.
لم يكتف الأهل بالضغط عليها للزواج، فهم ما لبثوا أن بدأوا بمطالبتها بالإنجاب. كانت عبارة "انجبا، أنجبا" تبدو لها مثل عبارة "اصلبوه، اصلبوه". رضخت تحت الضغوط، فولدت ريم. أثناء حمل سهام، أحسّت بحسد حيالها، وكانت تصيبها كل أعراض الحمل التي كانت تعاني منها "زوجتها". لم تعش ريم طويلاً بسبب مرض أصابها، وبعد سنتين من وفاتها ولد إبنها كيان، فتعلّقت به ودارت المنافسة على أمومته مع سهام. "حين كان يبكي أو يمرض كان لا يسكن إلا على صدري. وحين نطق للمرّة الأولى نظر إليّ أنا وقال: ماما". عاشت أنوثتها في تربية إبنها، الذي ترى تصرفاته الأولى تجاهها "حكمة تختبئ في جسد طفل، متعالية على المظاهر الخادعة التي تُبنى عليها إجماعات الناس الراشدين".

الشك في نظام العدالة الكوني

لم تنقطع علاقتها بكمال إلا بعدما خطب أختها ياسمينة. تعاقبت على ثلاثة أطباء نفسيين، لم ترتح الى أولهما وثانيهما، اللذين كانا يخاطبانها بوصفها رجلاً، "إذ كيف يحلّ طبيب مشكلة لا يعترف هو نفسه بوجودها أو يرفض التعامل معها، والتعامل أوّله الإقرار بها وتسميتها باسمها الحقيقيّ".
أسست "جمعية أبي نواس" للدفاع عن حقوق "أتباع الممارسات المضطهدة". "كان اختيار ابي نواس هدفه الجهر بأننا أبناء الحضارة الإسلامية، وأن تعدد الجنس كان دوماً من ثقافتنا وأنماط عيشنا، وليس بالشأن المستورد من الغرب". التواصل الذي أمّنته الجمعية مع آخرين "مثلنا" في الخارج كان مهماً لانه جدد "الثقة بأننا جزء حيّ وعريض من الحياة، تفقد بفقدانه بعض معانيها الكبرى". اتهمت الصحافة الجزائرية هذه الجمعية بأنها تتلقى تمويلها من اليهود والأميركيين. لم تتأخر رندا عن تلقي تهديدات بعضها مجهول المصدر وبعضها الآخر صادر عن محيطها القريب الخائف من الفضيحة. أرسلت بعض وثائق الجمعية الى خارج البلاد، وأتلفت بعضها الآخر، وهربت الى بيروت. في بيروت الوضع أفضل مما في الجزائر. إجراء عملية التحويل لا يتوافر المال اللازم لها. والأمل يبقى في الهجرة الى أوروبا حيث يمكن أن يموت فؤاد وتولد رندا.
حياة مليئة بالألم والفصام، تخللتها محاولات عديدة للإنتحار باءت بالفشل. تقول رندا في سيرتها: "عن أيّ جريمة أنال هذا العقاب كلّه؟ فأنا، لو كان هناك تقمّص وحياة سابقة، لجاز القول إنّي عشتها عيش طاغية مستبدّ أو مجرم قاتل. فهذا وحده ما يفسّر ألماً كالذي أكابده اليوم".

حسن عبّاس

ص 19

 



 


 
 

Espace Économique - Espace Municipalité - Espace Culture - Espace Historique
Contact - Statistiques - Carte - Discussion - E-Cards
  free web site counter

   Designed and Developed by Webserv

                                                                                            Created by C & C Najjar

ع