|
أهل الجبال.... ببيروت
إنها سلسلة من رسائل نشرها حنا الخوري الفغالي (1899 –
1948) مسلسلة في الدبّور وقد أعجبت القرّاء آنذاك كما
تناولها الباحثون والأدباء. لقد صوّر هذا التراسل تصويرا
دقيقا حياة القرية والمدينة في حقبة التحوّل السياسي
والاجتماعي الذي استفاد منه لبنان كما عانى من بعض جوانبه
في التبدل الحضاري السريع زمن الإنتداب الفرنسي
من خلال هذا التراسل الواقعي الذي لامسته يد فنان بارع
ظهر حنا الخوري الفغالي كأحد الرسّامين البارعين المهرة
الشاهد الحق على مجتمعه وقضاياه
(من كتاب "مكاتيب شموني" للصحافي الكاتب حنا الخوري
الفغالي)
والدتي الحنونة
ما بقا شي
إلا
خبرتك ياه عن حوالي. بالتدقيق شرحتلّك وما خلّيت شي يخيس
عليك. ومع هيدا وكلّه بتضل مراسيلك وارده. صايبك متل بو
ضومط، تعيشي وتاخدي عمرو، وإنت من يوم ما جيت أنا على
بيروت ، وأنا بحدفلك، وكل يوم بيجي منّك مرسال بدّك مصاري.
شو مفتكري أنا إلي شراكي ببنك قصعه وصقر وطراد؟ يما متوظفي
بالحكومي؟ أو عمّل بدق عملي؟ بدي أعرف شو عمّل تعملي بكل
هالمصاري. بيقولو إنو بو سركيس عم بيدحدح صوبك، وخبّرني
مبارح واحد من الضيعة إنك عايشي متل ستّات بيت شباب،
بزمانهم. الجرّه ما عدت تملّيها، والفرن ما عدتي تعرفي شو
حوك بابو، وقهوتك دايما على النار ، وكل يوم بتدبحي دجاجي.
صحيح إنتو أهل الجبال ما عدتو ترضو بعيشتكم. صار إبن الجبل
الكان عايش ببيتو قنعان، يشتغل بالنهار برزقاتو، وعشيي يجي
يقعد ينستر مع عيلتو بالشئمه والناموس، وياكل خبزو بعرق
جبينو، صار بدّو يقعد ويعيش بعرق جبين إبنو يللي
بأميركا، يما يدير دينتو لمراتو وينزل على بيروت.
شفنا شو صارت آخرة اللي داروا دينين لنسوانن وإجوا لبيروت.
بظن بعدك بتعرفي طنوس ابن بو طنّوس ومراتو مرين، وكيف
كانوا عايشين يتماتلوا فيهم بالضيعا. ما قنعت مرين
بعيشتها، وما عاد عاجبها شيل القز ولمّ الزيتون. إجت
لبيروت؛ ولكن مش كل من نزل للبندر بيقدر يتغندر. طنوس شو
بدّو يشتغل؟ معروف عندنا بالضيعة إنو أول واحد بيمسك
كابوسي، ومرين أول واحدي بتعرف تشيل قز. وبيروت من
هالبضاعه ما في. بحق التوتات وجل استأجروا بيت. وبدل الشغل
صارت تستقبل زوّار وترد زيارات، وصار هو مسيو أنطوان
وحضرتا الست ماري وبنتها مدلين وإبنها ريمون، ودبّت فيهم
روح الظنطرة.
إذا إجا بو طنّوس حتى يشق على إبنو بيستقبلوا على البوابي،
ويعملوا إنو شريك عندهم بالجبل، الله لا يرحم أبوهم، وكنت
تشوفي بعينك كيف كانت ترجع يوسفيّي من عند بنتها باكيي
شاكيي حاملي سكربينتها كل الدرب.
ومع هيدا وكلّو شو صار؟ طنّوس ضاع بين الخواجه والأفندي.
شغل ما بيعرف يشتغل ولا معو رسمال حتى يتاجر، ما عاد
قدّامو غير العتالي يما البويجي. الله عانو وقعد خادم
بالقهوي. صارت مدامتو تنزل تشق عليه وتعملّو زيارات، ومين
بيجي عالقهوي غير بطّالين الأشغال!
الله يساعدنا يا والدتنا عالإيام يلي وصلنا ليها. ماري
بتلبس برنيطه، وبنتها قصّت شعرها، وإبنها حلق شواربو،
وبيتهم ملفى الزوار. وما زال جارك بخير إنت بخير؛ ولكن
طنّوس، بتظنّي إنو مبسوط بهالعيشه؟ بتشوفيه عمّال يبكي
وينوح، وما بيقدر يمون على مراتو ومراتو ما بتقدر تهدّي
بنتها، وإبنهم بألف نعمة كريم، صار أول بارع بالرّقص.
وجيرانهم ما حدا بيقدر يعيّر التاني. وكم في متل أنطون
وامراتو؟
توقّي يا والدتنا يطلع على بالك تجي على بيروت. خلّيك
قنعاني وراضيي بعيشتك. المعكرون بدبس يا والدتنا أطيب من
كاتو بيروت. جلود الصوف والقعدي عالمنقل ، أحلى من النوم
عالرّفّاص والقعود على الكنبيات، ما زال الشرف موجود.
بنتك
شموني
عن مجلّة الدبّور عدد 188 ص12 سنة 1927
|