|
"النهار": الخميس 1 أيار 2008
الكتاب
ريــــم تــكــــتـــــب ســــيـــرة والـــــــدها
مــنــــصــــــــور ســـــلــطـــان الأطـــرش

"الجيل
المدان" سيرة ذاتية
لمنصور سلطان الاطرش، كتاب اعدته ابنته ريم ووضعت هوامشه موضحة
التفاصيل وبعض
العبارات والاحداث، لان الموت عاجله قبل انهائه، كما حذفت جملا باعتبار
ان ليس "كل
ما يكتب ينشر"، لكن قد ينشر لاحقا باعتباره انه قد يكون الجزء الاول
فتليه اجزاء
تفسر او توضح ما ورد مختصرا او مبتسرا.
ذكّرني هذا الكتاب بالكتاب الذي وضعه صقر
ابو فخر عن سيرة نبيل الشويري، فالكتابان يتقاطعان في مجريات عدة، وقد
يختلفان في
تفاصيل يرويها كل منهما من وجهة نظره، لكن يكمل بعضهما بعضا في إلقاء
المزيد من
الضوء على تلك المرحلة التاريخية من الحكم في سوريا
وانقلاباتها ودور حزب البعث في
ما وصلت اليه الامور اليوم.
ولا يرائي المرء اذا لفت الى دور آل الاطرش في
مجريات الاحداث في سوريا خلال القرن الماضي، ولا سيما دور
سلطان الاطرش في الثورة
السورية الكبرى على الفرنسيين، فضلا عن دور منصور في حزب البعث وبلورة
افكاره
وحراكه السياسي، ودور غيره من ابناء عمومه في مقاليد السلطة في سوريا.
وهذا ما يمنح
الكتاب موقعه في تأريخ تلك المرحلة.
الكتاب مراجعة نقدية لمنصور الاطرش وافكاره
قبل جيله، وشعوره بالاخفاق الشخصي قبل احباط جيله.
الانطلاقة الأولى في حزب البعث
لن
اتحدث عن مراحله الاولى منذ ولادته في 3 شباط 1925 حتى تخرجه
في جامعات فرنسا العام
1950، فهي مفصلة في الفصول الاولى من الكتاب وموجزة
في الحديث الذي اجراه معه مصطفى
الدندشلي وورد في الملاحق.
لكن سأنطلق من تجربته في حزب البعث التي بدأت عام
1943
حين كان في الصفوف الثانوية في مدرسة "اللاييك" في دمشق، متظاهرا ضد
الفرنسيين، ومتأثرا بأفكار ميشال عفلق. ثم في الجامعة الاميركية في
بيروت حيث اسس
اول فرع لحزب البعث وتنافس مع القوميين العرب وعلى رأسهم جورج حبش،
الذين كانوا
يشكلون تنظيما قويا.
دراسته في فرنسا رسخت فيه مفاهيم الديموقراطية البرلمانية
التي يجب اعتمادها في بلاده، والحرية التي هي حق لكل فرد
وجماعة، وايمانه
بالمواطنية اي المساواة بين المواطنين واقتناعه بالعلمانية وجها
للتقدم. لكن تحت
وطأة السعي الى المد الشعبي والاحتكام اليه انزلق حزب البعث.
فرضت مواجهة
الديكتاتورية العسكرية، من حسني الزعيم الى اديب الشيشكلي تحديدا، على
حزب البعث
العربي بقيادة ميشال عفلق وصلاح البيطار ان يندمج مع الحزب العربي
الاشتراكي الذي
يقوده اكرم الحوراني، رغم ان الاطرش كان معارضا للدمج.
واستمرت الحركة السياسية
ناشطة بين القيادتين الى ان انهارت الوحدة واختلف الموقف منها بين
الطرفين. ويقول
الاطرش: "كان الصدأ قد حصل في القمة على موضوع الوحدة والموقف
الاساسي"، ما جعل
الحوراني "يبتعد عنا".
بين "الاخوان المسلمين" والوحدة
اما
الخلاف مع "الاخوان المسلمين" فبدأ مع بداية البعث واستمر
واتخذ شكلا عنيفا ودمويا
في الثمانينات خلال حكم الرئيس حافظ الاسد. وكان الخلاف على "صورة
المجتمع والرابطة
الاساسية فيه"، من موضوع الحجاب، الى الحريات الشخصية والاجتماعية، الى
الخلافات
السياسية، ليس على شكل الحكم فحسب، بل على المنطلقات الفكرية
والمبدئية، كتقديم
الرابطة القومية على الدينية او المذهبية، مثلا: "كان الاخوان
المسلمون يعتقدون وما
زالوا ان المسلم الاندونيسي اقرب اليهم من المسيحي الشرقي العربي".
وهذا خلاف عميق
في تكوين كل المجتمعات المختلطة، بل هو منطلق ينسف مفهوم المواطن
والمواطنية، ما
دفع بالاطرش الى القول من منطلق قومي صرف: "ليس من الضروري ان
يكون الانسان مسلما
في بلادنا حتى يكون نقي العقيدة القومية". وانه "لا يقر بأن العلمانية
تعارض
الاسلام". ويذكر ان ادبيات ميشال عفلق نفسه مبنية على خلفية ان الاسلام
هو المسند
للقومية، وكل تفكير خارج هذا الاطار يلغي القومية ويقول: "انا من انصار
بناء مجتمع
قائم على الصلة القومية والمواطنية في الدرجة الاولى".
وفي هذا السياق لا بد من
الحديث عن الوحدة السورية – المصرية التي كان لحزب البعث الدور الاول
في المطالبة
بها وتحقيقها، لكنه استبعد عن الحكم الذي تسلمه المصريون مباشرة
معتمدين على جهاز
المخابرات بقيادة عبد الحميد السراج. اي ان البعث لم يكافأ على تضحياته
في سبيل
الوحدة، فضلا عن ان الحكم المصري حاول اثارة النزاعات
الطائفية والمذهبية داخل
الجيش وفي الادارة السورية.
ويقول: في الحقيقة كان الانفصال قد حصل منذ اليوم
الذي استبعد فيه البعث عن المشاركة الجيدة في تطبيق الوحدة".
لقد جرّت الوحدة
الكارثة على سوريا وعلى لبنان، وانعكست سلبا على حزب البعث فكانت من
عوامل الانقسام
بين قطريين وقوميين، وكانت بداية نهاية قادته التاريخيين لمصلحة
العسكر. لكن الاطرش
يعتبر ان الكارثة حلت بالانفصال، فيقول: "بحفنة من العسكريين والآليات
الصدئة سقطت
الوحدة في سوريا وكان هذا كارثة". وفي ذلك اشارة الى ان العسكريين
نفذوا الحركة
الانفصالية. ويضيف "كان هذا الانفصال سببا في انقسام الحزب الى قطريين
وقوميين".
ويمكن الاشارة الى ان الاستعلاء المصري على السوريين كان احد اسباب
خلخلة البناء الوحدوي. فضلا عن نظرة المصريين الى ابناء
الاقليات نظرة تعال
وازدراء. ويعترف الاطرش بوجود "خصوصيات قطرية من الخطأ الفادح التعامي
عنها".
حكم البعث... بل العسكر فيه
سميت ثورة
البعث في الثامن من آذار 1963، لكنه بصفته احد قادة حزب البعث
يتساءل: هل يعود
الفضل في قيام الثورة الى الحزب ام الى مجموعة من الفصائل العسكرية
التي تحالفت
بدوافع مختلفة لوضع نهاية لحكم الانفصال عن مصر؟ يقول العماد مصطفى
طلاس ان الثورة
هي من تخطيط العسكريين وتنفيذهم في حزب البعث ويؤكد ان احدا
من المدنيين لم يشترك
في التخطيط ولا في التنفيذ. ويقول الاطرش: "قد يكون هذا القول يمثل
جانبا كبيرا من
الحقيقة كما يمثل في الوقت نفسه حقيقة خطيرة لها نتائج حاسمة في توصيف
ثورة الثامن
من آذار 1963. يريد العسكريون في حزب البعث ان يحتكروا هذا الفضل ولا
اعتقد ان احدا
من اصفياء البعثيين يتلهف لنقض هذا القول بعدما آلت اليه ثورة آذار
(...)".
ويبدو من مجريات الاحداث التي رواها الاطرش ان العسكريين كانوا
المسيطرين على
القرارات الحزبية بعدما تمكنوا من السيطرة على الجيش" وكانت الخلافات
تقع بينهم على
الإمرة والقيادة.
ويتابع الاطرش رأيه في ثورة الثامن من آذار، حيث تكثر في هذا
المقطع العبارات المقتطعة التي وضعت مكانها "ثلاث نقط بين
هلالين"، (علامة على حذف
الكلام القاسي) اذ يضيف: "فمبارك عليكم ايها العسكريون هذا المجد! وآمل
ان تبقوا
على موقفكم هذا الى ان يأتي يوم الحساب (...) فلم يكن التاريخ في يوم
من الايام
غافلا عن المفاسد (...) ولا عن المآثر (...) انتم اصحاب
الثورة وانتم المسؤولون عن
مسيرتها وبشهادتكم انتم نحن لسنا مسؤولين عما آلت اليه".
ان الخطاب موجه الى
السلطة الحاكمة حاليا، وليس خطابا وضع في الستينات. لانه يعبر عن خيبة
أمل واحباط
شديدين وبالتالي يشير الى الجيل المدان، وقد يقصد به تحديدا العسكر.
ففيما كانت
القيادة العسكرية تسيطر وتتمكن، كان الحزبيون المدنيون بسطاء
غُفلاً "بعيدين عن فهم
آلية الثورة وآلية انتقال مركز السلطة من الجماعة المدنية الى الجماعة
العسكرية".
وهكذا سيطرت اللجنة العسكرية على الحكم بتصاعد وتتابع وصارت الخلافات
تحسم داخل الجيش، فيما المدنيون يتفرجون. ووصل الامر بالعسكريين الى ان
تطاولوا على
رئيس الحكومة صلاح البيطار احد القادة المؤسسين للبعث.
وفي هذا الاطار كتب
الاطرش: "كانت ثورة الثامن من آذار ثورة حزب البعث فأصبح حزب البعث حزب
الثورة
ومطية لعسكرها. هم يخططون ويأمرون والحزبيون ينفذون الاوامر (...).
ومنذ ان انهارت
مقاومة القواعد المدنية للغطرسة العسكرية، غاب الحزب عن الساحة وعن
السياسة وصمت
الجميع ونطق الفرد وصدق الفرد وحكم الفرد". هذا الرأي كاف
للتعبير عن الجيل المدان،
أما التفاصيل فهي أثقل وقعا وأشد مضاضة، تظهر مما تظهر، الاسلوب السوري
في مطالبة
الآخرين بالتزامات لا يلتزمونها هم، وهي مدرسة مستمرة. فضلا عن أساليب
التآمر
والتآمر المضاد. والنتيجة ان العسكر ينهزمون في الحرب امام
اسرائيل ويتدبرون في
الخفاء مؤامرات ضد بعضهم بعضاً وضد أنظمة الحكم.
وعليه، كيف يمكن ان تبنى
ديموقراطية اذاكان الخلاف في الرأي يؤدي اما الى النفي او السجن او
القتل؟ هذا بعض
ما يستخلصه القارىء بتتابع الاحداث منذ الانقلاب الاول لحسني الزعيم
عام 1949 حتى
الانقلاب الاخير لحافظ الاسد عام 1970.
"الحركة
التصحيحية" وانتهاء البعث
دعم
الاطرش حركة حافظ الاسد التصحيحية التي جرى انقلابها في 16
تشرين الثاني 1970.
والدعم له واجب "لأن كل تردد في الظروف السائدة يعد وقوفا الى جانب
صلاح جديد
تمكينا له. فمن ناحية تكتيكية كان الموقف صحيحا ولازما".
سارت الامور كما خطط
لها الاسد وخسر صلاح جديد و"قيادته المتطرفة" و"قبعوا في السجن".
لكن ما الذي
يريده الاطرش من الاسد؟ يقول: "لا أقبل أن أعمل موظفا في أي حكم كان،
لا مع الأسد
ولا مع غيره. انا أطالب بسلطة فعلية بسلطة المشاركة في القرار". لكنه
لم يحصل على
ذلك، ولم يسع الى السلطة، وحين واتته الفرصة، تردد واتخذ موقفا خاطئا.
كان
الاطرش وأمثاله يأملون تنفيذ وعود القيادة القطرية وعلى رأسها الاسد
بالديموقراطية
والاحزاب الحرة، ومرّ الوقت حتى صدر القرار بتعيين الجبهة
الوطنية التقدمية، فارتأى
ان يطلب مقابلة الرئيس الاسد "وكان قد مضى على الانقلاب اكثر من سنتين
حصلت فيهما
أمور كثيرة أثارت دهشتنا واستغرابنا، ومنها مقتل اللواء محمد عمران...".
وقد
تحدد موعد اللقاء الذي يصفه الأطرش بأنه كان وديا جدا، ويقول: "بعد
المجاملات
التقليدية قلت لسيادة الرئيس: ان الغاية من الزيارة ألخصها
بالآتي: "لقد قننتم
العمل في السياسة وسميتم من له الحق في العمل السياسي. ولم نجد لنا
اسما بين من
سميتم. فجئنا نسألكم أين نحن من كل هذا الترتيب؟ ضحك الرئيس الاسد
وقال: انتم معنا،
مكانكم بيننا". ولم يقل غير هذا... وفهمنا من سياق الكلام ان علينا
الانتظار لأخذ
الجواب عن سؤالنا الى وقت لاحق".
ويضيف: "أتى الجواب بعد سنوات، بعد حرب 1973 في
مقابلة مع الرئيس كنت فيها وحيدا. قال الرئيس لي: "في الحقيقة
لم اهتد الى صيغة
ملائمة لنعمل معا". ويتابع الاطرش: "لم يكن هنالك اي صيغة ممكنة،
اللهم، الا ان
نعلن اننا تابعون لسيادته بلا قيد او شرط. كنت سعيدا جدا بجواب الرئيس
عن سؤالي
القديم لانني اعتبرت الصيغ المعروفة في النظام القائم لا تلائم من هم
مثلي، سواء من
الناحية الحزبية او من الناحية المعنوية، ولا سيما ان صيغة الجبهة بدأت
تتكشف لنا
عن حقيقتها وبدأنا نتساءل عن مصير الوعود التي تضمنها بيان
القيادة القطرية
الموقتة!".
لماذا الجيل المدان؟
يفصح الاطرش عما
دفعه الى ما توصل اليه، حين يتطرق الى الموقف من سياسة الحبيب
بورقيبة التونسية
ومفهومه "خذ وطالب" في العلاقة مع الاستعمار الفرنسي، ومن قضية فلسطين
تحديدا
ودعوته العرب الى الموافقة على قرار التقسيم فخوّن. لذلك يقول الاطرش
في نقد ذاتي
لنفسه وجيله "اذا اردنا ان نقيس الامور فيجدر بنا ان نكون رحماء
متسامحين مع كل
الذين لم يروا رأينا في تلك الايام، وهم بدورهم لهم الحق في ان ينددوا
بتطرفنا نحن
الذين كانت اصواتنا عالية وافعالنا وضيعة، وهذا ما يدفعني الى
نعت جيلنا بالجيل
المدان، وهذه الادانة يستحقها اكثر فاكثر كلما شدد قبضته على مقاليد
السلطة ليحوّل
البلاد بأسرها مزرعة لا تتسع لأطماعه غير المشروعة".
يمكن استخلاص جملة من مواقف
وآراء تتضمن ادانة لجيل ومرحلة واسلوب حكم وشخصيات وافكار، تلخص بالآتي:
-
نكوص
جيلنا عن عهده، بل عهوده بالوفاء للقضية الفلسطينية وللامة كلها من
خلالها.
-
سياسة المحاور العربية التي تكون احيانا ذات فائدة وفي غالب الاحيان
سببا للتباعد
والعداء والشرذمة.
-
توجيه الاتهامات المجانية بالعمالة والخيانة عند الاختلاف
في الرأي وهذا ما اشتهر به اكرم الحوراني.
-
امتناع الحكام عن تطوير الدولة
وتأهيل المواطنين خوفا منه اذا وعوا وتعلموا وشبعوا.
-
تكديس السلاح لقمع الشعب
وليس لتحرير الارض العربية وهزيمة الاعداء.
-
اهدار الثروة القومية على الانظمة
وليس على الشعوب ولا من اجل القضية.
-
العرب وحدويون في الخطابات انفصاليون في
الواقع وليس بينهم اي وحدوي.
الزواج المختلط
أمر أخير أود التطرق
اليه وهو زواج منصور بن سلطان الاطرش الزعيم العشائري الدرزي في الجبل
بهند الشويري
المسيحية الارثوذكسية ابنة العائلة البورجوازية، متجاوزاً بذلك
التقاليد التي تفرض
الزواج ضمن الطائفة الواحدة، بل المذهب الواحد وكانت خطوته في
خمسينات القرن الماضي
جريئة جداً، كما وصفها ميشال عفلق.
ثمة اشخاص تقدميون مقدامون في الحياة
الاجتماعية كما السياسية يجعلون حياتهم الشخصية مرآة لمنهجهم الفكري او
تجربتهم
الحزبية فيوائمون ما بين الحياة الاجتماعية والتطور الفكري لمصلحة
الواقع المجتمعي
الذي لا يمكن تحريك ركوده الا برمي حجر فيه.
وفي الحقيقة ان هذه الظاهرة كثرت في
جيل السبعينات والثمانينات مترافقة ونهضة تعليمية وسياسية في لبنان
آنذاك خلفت جيل
الخمسينات وفاقته عدداً وتنوعاً.
لكن التخلف الفكري، مترافقاً مع الانقسام
الطائفي – السياسي، قلّص هذه المساحة العلمانية ببعدها الوطني
لمصلحة المذهبية
المستشرية والفالتة على غاربها حالياً.
فمن غير المتوقع ان نشهد هذا التجاوز
الاجتماعي في ظل سيطرة الايديولوجيا الدينية – المذهبية على المجتمع
اللبناني، لأنه
يتطلب تجاوزاً فكرياً متقدماً، لا يتوافر في المعطيات الدينية،
المتخلفة
والمتزمتة.
جوزف باسيل
ص.17
|