|
"الانوار": الاثنين 8 اذار 2010
(جعبة)
سعيد فريحه
الربعُ اليَتِيم...
صحوت ذات يوم وانا في حالة نفسية لا أُحسد عليها.
وقد زاد في تعاستي ان ذلك اليوم كان يوم السبت... وهو (بالنسبة اليّ
والى أيّ صاحب جريدة او مجلة في هذه البلاد) من اسوأ الأيام وأشدها
وطأة على الاعصاب...
ففي هذا اليوم، من كل اسبوع، تتجدد المأساة: مأساة الدفع لصاحب
المطبعة، لبائع الورق، للعمال، للمحررين والمصورين والموزعين،
وَلأَصحاب الديون المستحقة والديون التي شبعت استحقاقا...
وكثيراً ما حدث ان جئت، يوم السبت، الى مكتب المجلة فإذا بمدير الادارة
والحسابات ينتظرني على رأس طابور من المطالبين بالحقوق، ولا يلبث ان
يهمس في اذني: (معي الف وعَلَيّ الفان، فماذا اصنع)?
واجيب في الحال: (ادفع 900 واترك 100 ودبر الامر بحكمتك)...
ويدبر الامر (بحكمته)، فيدفع المبلغ كله ويسلط علي باقي الدائنين.
ولأعد من حيث بدأت:
صحوت، يوم السبت، وانا مهموم ضجر متبرم، وبعد السيكارة العاشرة رن جرس
التلفون، وكان الصوت صوت الأخ المحترم مدير الادارة والحسابات.
وقال: (معك عملة?)
قلت: (معي صرماية... لماذا تسألني ذلك?)
قال: (لأن هناك مسألة خطيرة جدا. فقد اكتشفوا تزويراً في ورقة المئة
ليرة).
- يعني?
- يعني ان اليوم، يوم سبت، وكل ما معي سبعمئة ليرة من اصلها ستمئة
مزورة.
قلت: (ادفع الستمئة واترك المئة... ودبر الامر بحكمتك).
غير ان (حكمة المدير)، في ذلك النهار، كانت اعجز من ان تدير شيئاً.
فالمئات المزوّرة لم تجد من يقبضها. والمئة الصحيحة لم تجد من
يصرفها... وهكذا وقعنا ووقع الالوف من اللبنانيين، في ورطة ذكرتني
بحادث جرى لي منذ ربع قرن في حلب:
وجدت نفسي ذات يوم وليس في جيبي سوى ربع (ريال مجيدي)، كان كل الثروة
وكل رأس المال في ديار الغربة، ولذلك حرصت عليه حرص العاشق الافلاطوني
على خصلة معطرة من شعر رأس الحبيبة...
واذكر اني بقيت نهارا كاملاً وانا ممتنع عن التدخين، مضرب عن الطعام،
صارف النظر عن كتابة رسالتي اليومية الى جريدة (الاحرار) حتى لا اضطر
الى شراء طابع البريد.
وفي المساء انهارت المقاومة، وذهبت ابحث عن مطعم متواضع استطيع ان ادفع
فيه قيمة ثمن العشاء من الربع اليتيم واحتفظ بالباقي. وفي (سوق
الجديدة) عثرت على المطعم المنشود...
وقد صُفّت الطناجر عند مدخله ووقف وراءها رجل ارمني قصير القامة غائر
العينين، نبت في وجهه شَنَب عظيم يفرض على زبائنه المهابة والاحترام...
ولم تكن هناك قائمة طعام... بل كان صاحبنا وصاحب الشنب العظيم يرفع
الغطاء عن كل طنجرة ويردد، على مسمع من كل زبون، اسماء اصناف
الاطعمة... من (القاظرطمة) الى (اليالانجي ضولمة) الى (الشركس
طاووس)...
واكلت، في هذا المطعم، كما يأكل اي انسان عضه الجوع وانجدته
القابلية... ثم نهضت، كما ينهض اي زبون جديد يحرص على مظاهر الوجاهة
والعنطرة والمقام الرفيع، وسألت كبير الشاربين: (ناقدار?) أي: كم
تريد?....
فأجاب: (ايكي برغوت) (اي برغوتين)...
ولما كان الربع المجيدي يساوي اكثر من هذه القيمة، فقد اعطيته اياه
وطلبت منه ان يرد الباقي. ونظر الرجل الى الربع، ثم قلبه في يده قلبتين
ورنه على البلاطة رنتين... ولم يلبث ان اعاده الي وهو يقول بحدة:
- (جانم شاروك) (اي مزور)...
ولو ان صاعقة نزلت على رأسي لما فعلت بي اكثر مما فعلته كلمة: (شاروك).
وتذكرت في تلك الاثناء قصيدة (الريال المزيف)، للأخطل الصغير، وحكاية
المرأة التي باعت عرضها في الحرب العالمية الاولى بريال، ثم ذهبت
لتشتري به قوتاً لأطفالها، فإذا البائع يسترد القوت ويعيد اليها الريال
قائلاً:
- (انه مزيف)...
تذكرت هذه المأساة وقلت لنفسي: (ما اصغرها بالنسبة الى مأساتي انا الذي
لا استطيع ان ارد ما أخذت او استبدل ما دفعت?).
ولما حاولت ان اجد مخرجاً بادعائي ان ربع الريال صحيح، قامت قيامة صاحب
المطعم وأخذ يطلب من الحاضرين ان ينظروا ويحكموا...
ونظروا ثم حكموا بالاجماع ان الربع مزيَّف... وليس ذلك فقط، بل ان
بينهم من اعتقد اني انسان نصاب آكل (القاظرطمة) و(اليالانجي ضولمه)
بعملة مزيفة...
ولم أرَ بين هؤلاء الانذال واحداً استيقظت فيه المروءة فبادر الى نجدة
عزيز قوم ذُلّ... بل رأيتهم جميعهم ينظرون الي نظرتهم الى (افندي) في
ثياب محتال.
واخيراً، وفي غمرة الخجل والألم واليأس الشديد، طلبت ان يرافقني خادم
المطعم الى مكان قريب لأدفع له الحساب.
وقال كبير الشاربين: (بل انا ارافقك... تفضل).
وتفضلت امامه كأني مجرم في حراسة (ديدبان) ظالم يمشي في محاذاتي ورجله
على رجلي... فإذا اسرعت اسرع، واذا تمهلت تمهل. لقد كان يخشى ان اغافله
واهرب ولذلك توقف فجأة عن السير وهو يجذبني بطرف سترتي ويقول:
(اشلح...).
اي ان اللعين اراد ان اخلع سترتي ليأخذها رهينة. وهنا فقط رأيت ان
اتصرَّف تصرُّف السوقة، أو تصرُّف الاحرار الاباة، فدفعت بيدي اليسرى
الى الوراء، في حين هيأت قبضة يدي اليمنى لأطيح بفكه الاسفل وبشاربيه
الرهيبين!
وفي هذه اللحظة سمعت صوتا يقول: (شوفي?)
والتفت...
فاذا بي وجها لوجه امام صديق عزيز، اسمه جميل السباهي، وتبدل الموقف او
البرنامج في الحال. وسدَّدت الحساب بدلاً من تسديد اللكمة.
ومنذ ذلك الحين، وانا لا ادخل مطعما الا اذا كنت واثقا بأحد امرين:
إمَّا بصداقة صاحبه، أو بوجود عملة صحيحة في الجيب (المفخوت)!
ص 21
|