|

كمثل سقـوط جسر
أو تهاوي زاوية
كان اذا ما غاب كبير
في لبنان، اكتفي بالحزن الكبير. فقد كانت ثمة أرض خصبة وكان للأرحام
عبقريات. وكان
ذوو القامات اذ يولدون، تولد معهم عصورهم. واذ يكتمل جبين الجنين يصبح
ممكناً أن
تقرأ عليه المرتبة التي سوف تترتب له بين الرجال.
كان يغيب منا سيّد فيقوم سيّد.
فيصيبنا الحزن من غير أن يكدّنا الخوف. الآن كلما غاب كبير هدّنا
القلق، فأرضنا
تقحل والأرحام تضنّ . كأنما القحط عدوى مثل الخصب. وكما في تفسير يوسف
الصدّيق
لفرعون، تجر سنوات الخصب بعضها بعضاً وتتلاحق عجاف السنين.
قامات قامات، كانوا
يتوالدون ويتوالون. رفعاء يأتون، وبقلوب وسيعة، وفي عيونهم ضوء. أولو
الألباب، وعلى
رؤوسهم طير التواضع، وحولهم طيور الألفة.
أوّل ما شعرت مع نعي العلاّمة الفائق
الجد والاجتهاد، شعرت بخوف عفوي وعميق. خوف البسطاء، في هذه الزاحلة،
الذين يسلمون
آمالهم برضى وطمأنينة الى الذويين: ذوي الفؤاد وما فيه من سمح، وذوي
العقل وما
ترسّخ فيه من حكمة ومضاءات.
واذ يغيبون، طيّ المشيئة الكبرى وحكم القدر، يهبّ
علينا قلق الخائفين. وندرك في أعماقنا ان هذا البلد الساكن على حافة
العاصفة، لا
يتعب من التضرّع لأن يترأف سيد الرأفات بأعمار كباره. فلا حيلة له إلا
بأبراره. لا
حصين هو ولا بذي منعة، ولذا كلما غاب منهم حاضر، سقط جسر هنا، وتداعت
زاوية
هناك.
خفنا وغضبنا وشعرنا بمذلة الأوطان وهوان الشعوب - لا الطوائف - عندما
غُيّب إمام الوحدويين، فيما كنا نمرغ بعضنا في دماء بعض. وحزنت يوم
فقدت في الشيخ
محمد مهدي شمس الدين صديقاً عليّاً وآية في أهل العلم. وخوفنا عميق
وحزين اليوم في
وداع هذا العاملي الذي أعاد صياغة تاريخ الجنوب، وصحّح في تاريخ لبنان.
عندما
ذهبت للسلام عليه المرة الاولى، قلت له: لك عندي نقطة ضعف لا تعرف بها،
لا هي مقامك
في الناس، ولا مرتبتك في الفقه، ولا هي خطبة الجمعة، اذ تعلّم المصلين
والمريدين ان
التديّن ملتقى. فمن أجمل وأبقى الأشياء التي تعلمتها في حياتي، ما
تعلمته من
الصداقة المستدامة التي جمعتني بخالك علي بزي. ورحتُ أُعدّد ما حفظت،
عن طيبته
ورقيّه، إلا أن آية ما تعلمت قوله: "قيل لي إن فلاناً أصيب بالمرض فقلت
شفاه الله،
وقيل أصيب بالغرور فقلت رحمه الله".
وقلت للعلامة وهو يبتسم على ذكر خاله الذي
أحب: "ومنذ ذلك اليوم وأنا ألاحظ الحياة، فأرى المرضى يعالجون، وأرى
ذوي الغرور
يسقطون تحت ثقل الحمق وخفة الخواء".
لرجل الدين في البلدان مسؤولية واحدة. في
لبنان، على كل رجل دين ان يكون مثلث المسؤولية: أن يكون مسيحياً وسنياً
وشيعياً في
وقت واحد، أن يجعل من دينه دين الجميع وأن يجعل من مذهبه لقاء المذاهب.
تلك هي
الطريق التي بدأها الإمام المغيّب، الذي كان كلما ردّ معطفه فوق عباءته
شعرنا انه
يريد ان يعطف الجميع. وكنا نشعر باعتزاز خفي أن القامات الثلاث هي التي
نقلت جبل
عاملة الى إيران وليس العكس، كما فعل الأئمة الألى.
وشعرنا، كما شعر العرب من
حولنا، أن السيّد الذي ودّعنا، جعل العروبة صنو الايمان وشرط الأمانة.
فهي النفس
المولودة لا المنهج المكتسب. وهي المقتدى. وقد علّمها لطالبي المعرفة
كما تعلمها في
النجف، فإذا ما زاد على ما تعلّم، فإنما بمدى الاقتداء.
كانت خطبة الجمعة لهذا
الخطيب أن يؤم الناس الى البساطة وليس فقط الى الصلاة. وعندما يأتي
إلينا صوته في
الإذاعات كنا نحزر دائماً الجملة التالية والدعوة الآتية: باب على
الحقيقة ونافذة
على الآخر. كان يبسّط الأشياء لسامعيه، كمن يقسّم على إيقاع البلاغة.
وكان يفتح
النوافذ من حولهم كي يروا كيف يمكن أن تنمو قربى المذاهب وتقارب
الأديان.
ولشدة
ما كان إنساناً، وبسيطاً، فاجأنا ذات يوم بنشر بعض شعره الغزلي في
الصفحة الثقافية
في "النهار". فإذا أيضاً الشيوخ بشر يغويهم الحسن، وتأخذهم المكابدة.
وما قرّبته
النجوى من الشعراء بل من البسطاء الذين طالما تحلّقوا حوله بأشيائهم
وقضاياهم
ومسائلهم البسيطة.
وقد كان فيهم مرجعاً وعاش بينهم نفراً، علّمهم بالعلم وعاش
بينهم بالمجاورة، وجعل من معارفه وعلومه مرجعية لا رتبة.
يغيب الصالحون المصلحون
والبلد متخانق بذاته. ويذهب الكبار فتخاف الجماعة ان تكثر عليها
الصغائر. ها هو
العالم العربي يصطف في موكب الوجوم. فلا تعزية في غياب الكبار. وتصمت
الناس
احتراماً لفرادة المنابر.
|