Home Page
         
E-cards Discussion Carte Statistiques Contact
DIVERS




 

إيقــــــــاع المــــــــــدن

"ويل لنا اذا اراد ان يكون الرئيس زعيما. وويل له اذا اراد ان يكون رئيسا"
غسان تويني

في البحث عن ذرائع السفر المهني وعن توقيع على الصفحة الاولى، اضفت ايطاليا الى فرنسا، اوائل السبعينات، كنت أسافر في القطار عابراً جنوبها الفقير وصولاً الى ساحات روما أو جماليات فلورنسا، ام عصور النهضة. وقبل الرحلة الى ايطاليا كنت اقرأ لها ما أمكن العثور عليه. ومن أبدع ما قرأت "القواعد الاخلاقية للمجتمع المتخلف" العالم الاجتماع ادوارد بانفيلد (1958). اتبع المؤلف قاعدة قديمة وبسيطة اتبعها الفرنسي الكسي دو توكفيل في دراسته التاريخية عن أميركا من أجل ان تعرف المدن جيداً، تجوّل فيها،  شاهد واسمع، وحاول ان تلتقط ايقاع المكان. الناس هي المكان. النظافة والشرفات والهدوء، أو أولئك الذين يرمون القناني الفارغة واوراق الكلينكس من نوافذ السيارات، المخالفة أصلا لقوانين السير وقواعد الاخلاق.
طرت مرة من سنغافورة الى كراتشي. كنت في مدينة يغرَّم فيها من يرمي علكة في الشارع بجزاء مقداره 300 دولار. وبعدما هبطنا في كراتشي أبلغنا قائد الطائرة ان اقلاعنا متأخر ساعتين، لأن ثمة أفعى تنشر الرعب في المطار وتعطل الحركة. كل مدينة لها وجه، ولها ايقاع. الاغريق أشاروا الى الاوطان أو الدول في زمنهم، على انها "المدينة". والى الدستور على انه "النظام" علاقة الحاكم بالناس، لا بالمحكوم.
أمضى بانفيلد فترات متقاربة في بلدتين. الاولى، يسكنها "المورمون" في جنوب ولاية يوتاه، والثانية، ذات حجم مماثل، في جنوب ايطاليا. اكتشف ان البلدة الاولى تعيش على ايقاع التعاون وتبادل الخدمات، والبلدة الايطالية تعيش على ايقاع الغيرة والحسد. وخلص الى ان سكان البلدة الاولى يعيشون حياة هانئة، فيما يعيش الايطاليون حياة فقر ورداءة وعزلة، وحياة قصيرة، في أي حال.
عندما نعرف طبيعة "الايقاع" العام في أي بلد نعرف كل شيء آخر عنه. ينصح الصحافيون الجدد والديبلوماسيون الجدد، بالا يكتفوا بما يقرأون عن البلد الذي يرسلون اليه، لأن "الايقاع"، قابل للتبدل، الموصول أحياناً، وذلك لأن الانسان كائن متحول، بل سريع التحول، بعكس الكائنات الأخرى، عندما اراد هتلر اسقاط جمهورية فايمار، عرض على الالمان نموذجه النازي شبه الكامل؛ هرمان غورينغ، البطل الذي حلّق عالياً من أجل بلده على الجبهة الغربية، خلال الحرب الكبرى. في اعوامه الاخيرة تحول غورينغ الى نموذج مناقض: رجل مدمن جميع انواع المخدرات والانحرافات، وماريشال مترهل، يلهو وهو يرسل ملايين الالمان الى حتوفهم.
الانسان، هذا المخلوق البالغ الضعف والبالغ التشاوف، لا يكف عن التحول في حياته. تفرض عليه مراحل العمر فروضها، تخفت كبرياؤه ويقل تخايله. والجماعات تتغير بدورها. وكان ديغول، عرّاف السياسة الأكبر، يقول إن الناس تنزع بصورة غريزية الى التجمع حول أصحاب السلطة. لم يعش ليرى انهيار الشيوعية. بعد الحرب العالمية احتكر الحزب الشيوعي في بولونيا كل مناحي السلطة الاجتماعية والسياسية الا الكنيسة الكاثوليكية. وبعد أربعين عاما طردت الكنيسة الشيوعية من كل مكان. وعاد الناس الى الكنائس كما في روسيا، التي أقفل ستالين 90 في المئة من معابدها. كل ما حولنا تحولات لا تصدق، من الارجنتين، آخر الكوكب، الى العراق، الذي رسم حياته على أساس ان صدام حسين باق الى الأبد.
لا ينتبه الانسان الى مدى التحولات الا عندما يصبح في قلب الدائرة. وهو ينظر الى التغيير في خوف وريبة وتوجس. على هذا الاساس يجب ان نفهم الانتفاض على دعوة الرئيس ميشال سليمان الى الحوار. منذ سنين ونحن لا نسمع سوى خطاب الكره والتحقير والتصغير والقبلية والتخويف. لذلك بدت الدعوة الهادئة الى الحوار وكأنها محاولة لانهاء نهج متجذر قائم على الصراخ والتصارع.
لم يحدث، ربما في التاريخ، ان رُفضت دعوة الى الحوار الوطني، بصرف النظر عن مدى فاعليته، في بلد نسي سياسيوه ان ثمة شيئاً آخر غير التكاره في سبل البناء. لقد اصبح انجازاً مفرحاً ان يتم "التصديق" على ثلاثة مقاعد ادارية. الذين اعترضوا على الحوار في القصر الجمهوري قالوا إن لا ضرورة له بعد عودة المؤسسات، كالحكومة ومجلس النواب. وماذا عن الرئاسة، أليست هي مؤسسة؟ هل حقاً يعنون ما يقولون عندما يتحدثون عن امكان الحوار في مجلس الوزراء أو مجلس النواب؟ أليس في هذا القول استغفال لما بقي لدى اللبناني من نظر، قريب أو بعيد أو شبه عمى؟
مقلوب، كل شيء مقلوب. أيعقل ان تصبح الدعوة الى الحوار موضع فرقة جديدة، بكل الحدة القديمة؟ أيعقل ان تأتي الدعوات الى الاصلاح والتغيير من أوسع تحالفات اقطاعية في تاريخ لبنان المستقل؟ لقد الغى نابوليون طبقات النبلاء والاقطاع، واقام بسرعة، طبقة نبلائه واقطاعه. الكولونيل اعطي لقب "كونت" والكابيتين اصبح "بارونا" ورجال الحرس الامبراطوري منحوا ميدالية الحرب، كما جعل بعض ماريشالاته ملوكا. وخاطب الضابط بونابرت الفرنسيين بلغة كاذبة أو تهريجية. كلما تحدث عن السلام أشعل حرباً جديدة. وقبل كل معركة كان يعد جنوده انه بعد هذه المعركة يمكنهم العودة الى منازلهم ولكن بعد كل معركة كان يأخذهم الى معارك أكبر. لم يكبد فرنسا من الرجال احد كما كبَّدها الامبراطور: 300 الف قتيل في الحملة الروسية وحدها. من هنا المثل الفرنسي: الأكل يولِّد الشهية! في المقابل لم يخض ديغول الا معركة عسكرية واحدة، لكنه انتشل فرنسا من قاع الهزيمة والخيانة ووضعها الى جانب الامبراطوريات المنتصرة في الحرب.
ليس المهم كيف تصنع الحرب، فهي قصيرة مهما طالت، المهم كيف تصنع السلام. ذلك تبدو حرب لبنان بلا انتهاء: البارونات الجدد والدوقات الجدد والاقرباء والانسباء الجدد. الفارق الوحيد هو في "الحلاَّس"، كما تقول العامة عندما تلاحظ ان التحول في المظهر لا في الجوهر: "مغيّر حلاّسو".
بدل المحاصة صرنا "شِللا" كما في كاريكاتور بيار صادق. ارتفع عدد المحتاجين وبقيت الحصص على حالها. لذلك سوف نفعل ما يفعله أهل القرية الايطالية: سوف نمد ايدنا الى حدائق جارنا. ولن ننسى، لا شيء يمكن ان ينسينا، ان نستمر في الحديث عن محاربة الفساد. الم تبلَّغ بعد ان الفساد عند جارك وان الملائكة تغنّي في حديقتك؟ إذاً، تفضل وتبلغ الآن. وطن لا يستطيع ان يمرر تعييناً ادارياً الا بالتصويت بين الوزراء. لا يستطيع ان يحدد موعداً انتخابياً الا بالمقايضة. لا يستطيع ان يصدر بيانا سياسياً الا بالشتم والحشرات والذباب.
محاولة استعادة السياسيين الى دائرة الحوار هي من أجل استعادة مستوى الخطاب الوطني. هي محاولة لأن يكون الحوار هو المرجعية. وهو النهج وهو السابقة. دائما ننسى ان كل مجلس يجمع السياسيين يتحول الى مجلس عزاء وصور عليها اشرطة الحداد. غداً عندما يجتمعون تعلق صورة ابادة خلف سليمان فرنجية وخلف امين الجميل وتعلق صور كمال جنبلاط ورشيد كرامي وصورة بلد يزدحم بالشهداء وبما هو اسوأ من القتل: العنف اللفظي الذي اصبح لغة التخاطب والتفاهم.
صدور أول كتاب عن رياض الصلح بقلم مؤرخ في حجم باتريك سيل، أعاد الى ذاكرتنا كم فقدنا من رؤساء الحكومات في الاغتيال: رياض الصلح ورشيد كرامي ورفيق الحريري ونجاة سليم الحص. وكم فقدنا من زعماء ومن زملاء ومن اعزاء. ثم نفيق فنجد من يستنكر الدعوة الى الحوار. تمنح الجامعة العربية فرصة التفاوض مع اسرائيل أربعة أشهر اضافية ويستنكر اللبنانيون فرصة حوار آخر. لماذا؟ ربما لأن العداء أشد عمقاً وهولاً. ولأن الحوار قد يفضي الى انفراج بل ربما حتى الى توافق. عكَّروه
.

سمير عطاالله 



 

 
 

Espace Économique - Espace Municipalité - Espace Culture - Espace Historique
Contact - Statistiques - Carte - Discussion - E-Cards
  free web site counter

   Designed and Developed by Webserv

                                                                                            Created by C & C Najjar

ع