DIVERS


 



 

 

 


نقل البادية الى ضباب كفرعقاب

للكتابة عن رفيق المعلوف، احتفاء أو رثاء، يفترض فريضتان: التوله بالتراث، والوله باللغة. ربما، فقط ربما، كان له مساوون، في هذا، أو في ذاك. ما من أحد قاربه في كليهما معاً. ما من أحد في درجته أو في مرتبته. ما من أحد في هوسه وحرصه وبذله. ما من أحد هكذا، هكذا، بالمجان، لا منّة ولا شكوراً.
لا اعرف منذ متى قرر ان ينزوي الى نزوته الباقية: اللغة، اذ تنزل من السماء، أو اذ ترتقي اليها. حتى ان كثيرين ظنوا، والظن فطنة، ان هذا المسيحي النازل من وحدة النسور في كفرعقاب، اختلى بنفسه وعاهد ربه: إن تكن العربية لغة الاسلام، فإن الاسلام هو الدين الذي لم أولد فيه. لكنه عاش على دين اللغة ومات على وله النصارى.
لم يكن فارساً بل حصاناً جموحاً. فائر، ثائر، مبحوح، ملعلع، مكرّ مكرّ مكرَّ. وساحر اذا حضر وسحُر الافتقاد اذا غاب. ولا يغيب. فالذين يهيمون في الادب ويتيهون في بوادي اللغة، ويتنقلون بين أقمارها وعثارها وجمالها وعقها وعقوق الناس بها، كانوا يفوضون اليه، واليه والى هوسه والى افتتانه، ان يتنقل في حراسة القافلة ما بين البداية والنهاية.
نقل البادية الى ضباب كفرعقاب. وفي شقة صغيرة في الاشرفية، وضع اثره البديع "النفس العربية". كتب لهذه النفس كأنه مورثها، لا وريثها. كأنه أممها، او كأنها أوكلت اليه دون سواه، ان يحفظها وان يحضنها وان يقاتل المعتدين.
امضيت عمري نادماً متندماً على أشياء كثيرة. أعظم الندم هو اننا لم نعرف، يوم توجّب، قيمة الرفاقية العظيمة بين بسطاء الرفاق. متأخراً، تسنى لي ان اتعرَّف الى شيء من تلك الاشياء التي كان عليها، ولها، رفيق المعلوف. متأخراً ومتقطعاً. لقد قدمَّتُ الاشياء العابرة على الفوز بالتعلم من هذا المتوحِّد بما ارتضى من الدنيا. وكنا نعتقد ان من كان له مثل ذلك الحضور لا يمكن ان يغافله الغياب. غافله واستغفلنا. وكمثل المعالفة في عش النسور في كفرعقاب، يكون هو صنَّاجة حضوره وغيابه. الباقون لهم صمت الحداد، يشرّفهم.

سمير عطاالله  - النهار


 




 
 

Espace Économique - Espace Municipalité - Espace Culture - Espace Historique
Contact - Statistiques - Carte - Discussion - E-Cards
  free web site counter

   Designed and Developed by Webserv

                                                                                            Created by C & C Najjar

ع