|
النهار في 24 شباط 2010

بل اصفحوا وانسوا
أيضاً، عن النظام.
فلنبدأ بسؤال
بسيط، ولمرة بصوت عال، صادق وواضح: هل هي مسألة نظام ام مسألة وطن
ودولة؟ هل نحن في
سبيل الاتفاق على شكل اداري معيّن، أم نحن في صدد تعجيز بعضنا البعض،
نقول بالدولة
ونعرف انها لن تقوم، ونقول بالتوافق ولا نلتقي الا في حمى امير قطر،
ونتحدث عن
الوحدة الوطنية ونحن نمدد
سيقاننا فوق مشاعر الإلفة، واصول الخطاب، ونوافذ
التفاهم.
هل الذي ينقصنا هو حقاً النظام بمعنى الاطار السياسي، ام النظام بمعنى
العرف الوطني، والقبول بالقانون العام، ومحاولة الانتقال من ديكتاتورية
الطائفة
والاقطاع، الى احكام المنطق الانساني، ليس بمعنى الديموقراطية التي
حاول جورج بوش
نقلها الى عشائر العراق، بل بمعناها البسيط، المبسّط، الذي حدثنا عنه
ابو العلم
السياسي، أرسطو، قبل ألفيتين. سخر البريطانيون من انفسهم عندما وجدوا
كوامي نكروما
يتحوّل من استاذ للعلوم السياسية في جامعة فيلادلفيا، الى ديكتاتور
ينام على سرير
من الذهب في غانا. سخروا من أنفسهم قائلين: وهل كان من الممكن نقل
وستمنستر الى
أكرا، بالطائرة مع الزعيم الاستقلالي العائد؟
الذين ولدوا أوائل عقد الاستقلال،
تغيّرت عليهم أشكال الجمهورية والانظمة اكثر مما تغيّرت على الالماني
الذي ولد في
جمهورية فايمار، وقاتل مع هتلر، واستسلم ثم صالح مع اديناور، وشهد
الوحدة من جديد
مع هلموت كول، ثم رأى سيدة من شرق المانيا تحتل كرسي المستشارية في
برلين
الموحدة.
من اجل ان يشهد الالماني كل هذه المتغيرات الدرامية كان على برلين ان
تشعل حرباً عالمية وتخسرها. وكان لا بد من سقوط الاتحاد السوفياتي كي
تعود لايبزيغ
وجامعتها الى الثقافة الغربية (والابحاث العربية). ومن شرق المانيا عاد
ضابط
المخابرات السوفياتي فلاديمير بوتين
الى موسكو ليرأس الجمهورية التي انزلت عن قبة
الكرملين المنجل والمطرقة، ورقصت في الساحة الحمراء احتفالاً بنهاية
اللينينية،
التي بقي منها جثمان لينين المسجى لطوابير السياح.
تغيّر النظام اللبناني،
عملياً، عام 1958، عندما انتقل من المعسكر الغربي مع فؤاد شهاب الى
عالم عدم
الانحياز، وما في التعبير من غموض ومطط. وتغيّر النظام عام 1969 مع
"اتفاق القاهرة"
الذي ألغى، وقلب، الفوز الكاسح لـ"الحلف الثلاثي" على الحكم الشهابي.
وتغيّر النظام
عام 1975 عندما اصبحت السلطة الحقيقية، أخيراً، في يد منظمة التحرير
الفلسطينية،
وبدأ شكل العاصمة وجوهرها يتغيران ديموغرافياً مع هجرة "البيارتة"
المسيحيين الى
شرق بيروت، مختارين، للمرة الاولى في تاريخهم، الخروج من عَلَم العروبة
والعيش
المندمج، من أجل الاحتماء بالشرق الغارق في الانفصال النفسي
والاجتماعي، والآن
العسكري والسياسي.
كانت حرب لبنان بالنسبة الينا مثل الحرب العالمية بالنسبة الى
الالمان. دمرت كل شيء وحوّلت المسالمين الى مقاتلين والجهلاء الى قتلة.
ولم ينج من
اصطفافاتها الدموية الّا الذين لم يبق امامهم سوى الموانئ. وكانت
الحصيلة مرة اخرى
تغيراً أساسياً في جوهر النظام وفي ملامحه الخارجية. أعلن "اتفاق
الطائف"، من دون
اعلان، نهاية النظام الذي تميز بالقوة المارونية، او ما سماه منح الصلح
"المارونية
السياسية"، التي بدأت عام 1920 وانتهت عملياً عام 1975. حلت مكانها
آنذاك، على نحو
ملتبس وغير نهائي، قوة سياسية مشتركة، عمادها الحركات الفلسطينية،
ومظلتها كمال
جنبلاط، وشريكها المفوض اسم اكثر غموضاً هو "اليسار اللبناني".
لم يدم هذا
"النظام"
طويلاً: اغتيل كمال جنبلاط، وهجّرت المقاومة الفلسطينية، وسقط اتفاق 17
ايار، واستقر النظام هذه المرة على نفوذ سوري يظلل (وليس يستظل) مجموعة
واسعة
ومتنوّعة من السياسيين القدامى والجدد. لكن سوريا التي كانت ملامحها
ظاهرة بكل
وضوح، على الحواجز وفي عنجر، لم تتعرض للنظام نفسه. أبقت القوانين
والحركة
الاقتصادية والانظمة الرأسمالية، على ما هي، وحافظت على النظام
البرلماني مع تغيير
في ولاءاته. ولكن في الواقع، كان على الرئيس السابق اميل لحود ان يجمع
في قصر
بعبدا، رئيسي مجلس النواب والوزراء، لكي يكونوا في استقبال وزير
الخارجية آنذاك،
الاستاذ فاروق الشرع.
"النظام"
القائم على القوة السورية، عاد فتغيّر مرة اخرى
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وخرجت الشيعية السياسية عملياً من
الحكومات وارسلت
من يحاصر السرايا. ولم يعد من الممكن اتخاذ اي قرار سياسي يزيد على
تصريف الاعمال.
واغلق مجلس النواب ابوابه كي يؤكد ان الأكثرية تملك المفتاح، لكن
المعارضة
المتحالفة مع سوريا تملك القفل. والباقي في ذاكرتنا جميعاً.
نحن نشعر اليوم، من
غير ان "نعرف"، اننا على عتبة تغيير آخر، في ما يوجب تسميته، تجاوزاً،
"النظام".
ليس منا من يعرف كيف او متى. لكننا ندرك ان جميع المسميات السابقة
اصبحت بلا أي
دلالة أو معقول. وحتى تصريف الاعمال اصبح صعباً او مستحيلاً.
والميكيافيلية تتجلى
في مرحلة جديدة من تحولاتها الابدية. وقد كانت هي دائماً الخيار
السياسي، بعكس
الخيار الاخلاقي، الذي ظل نائياً ومنبوذاً. ولا يمكن دولة أن تقوم على
منقلبات
دائمة وانتصارات موقتة. المنفى وحده موقت. الاوطان شرعتها الديمومة.
كنت احلم
–
وربما لا أزال – بمصالحة اهلية على طريقة جنوب افريقيا. عشرون سنة مرت
الآن على
خروج نلسون مانديلا، ليس من السجن، بل الى النور. خرج وحول رأسه الأجعد
هالة من
ضوء، تطرد من حولها الحقد والضغينة والثأر والتربص. وقال لامته الخارجة
من ظلم
الرجل الابيض وحروبه ومذلاته وعنصرياته وعجرفته وتعاليه، قال، ثمة شيء
واحد يجب ان
نكرهه جميعاً هو الكره.
تخطى نلسون مانديلا، عندما جعل الاسود لون السماح
والارتقاء، تخطى المهاتما غاندي، الذي خرج هو ايضاً من ذل الرجل الابيض
في جنوب
افريقيا، كي يحرر الهند. غريب. كلاهما من جنوب افريقيا. كلاهما محام.
كلاهما عاشق
للحرية هائم بالنساء. ولكن عندما مشى مانديلا الى النور، مشى فوق 27
عاما من عتم
الزنزانة المنفردة. وخرج اولاً، ليصافح حراس السجن. وبالذات، ذلك
الحارس، الذي كلما
رئيسه غائباً، مد يده الى مانديلا يقاسمه كأس الشاي الذي يشربه: انك
تستحق هذا
الدفء أكثر مني أيها السيد.
لقد فلسف الاخوان رحباني هذه الدرجة من الارتقاء،
قبل زمن طويل بالقول ان العدالة أهم من القانون. العدالة بمعنى السماح.
قال عاصي
ومنصور: القانون باب حديد مغلق. العدالة نافذة على الروح. شرفة، مزروعة
زنبقاً
وشقائق. وخصوصاً، اذا استطاعت ان تقترب من الانصاف. لا ادري ان كان هذا
ما عناه
هوميروس عندما تحدث عن توازن النفس.
نحن في حاجة الى توازن. الى رجال يصنعون
المصالحات الحقيقية، هنا، في قلب لبنان. في حاجة الى رجالات يقولون،
نسينا وصفحنا.
هرطقة، القول صفحنا لكننا لن ننسى. من الذي كان بلا خطايا في هذه الحرب
المستمرة
المستعرة من اربعين عاماً؟ اي خزانة خالية من الهياكل العظمية وصور
الموت الفظيع؟
اي اذن لا يطن فيها صوت نحيب الامهات وبكاء الاطفال؟
لسنا في حاجة الى "نظام"
جديد. نحن في حاجة الى ان نفعل ما فعله الالمان بعد اسقاط الجدار.
نتقدم ولا نتذكر.
يجب ان نفعل ما فعله البولونيون وأهل رومانيا. حولوا مآسي الماضي الى
"أرشيف". رئيس
مخابرات "الشتاسي" يسكن الآن في نيويورك، ويؤلف كتباً عن الطبخ. بالطبع
لن اعتمد
على ذوقه.
ابحثوا عن مصالحة لا عن حوار. لا يمكن دولة ان تقوم على ضغينة، ولا
وطناً ان يبنى على فتنة.
سمير عطاالله
|