النهار": الاثنين 15 آذار 2010
مهرجان البستان في كنيسة القديس يوسف
بصوت واحد أنشدوا المجد
لله في الأعالي

أأصوات بشرية هي أم جوقة ملائكية نزلت من السماء لتسبح
الله بيننا؟
على مذبح كنيسة القديس يوسف، التأم المشهد من منشدين وعازفين في هذه
الليلة الخاصة من
مهرجان البستان
المهداة إلى
مجد الله في حلّة مهيبة، ترتعش أمامها
النفوس.
الأوركسترا الفيلارمونية الوطنية تغلغلت بكماناتها وأبواقها بين
منشدين
ومنشدات إلتحمت أصواتهم السموية من ثلاث جوقات متمرّسة
في الغناء الكنسي، بقيادة
المايسترو المونسنيور فالنتان ميزراك وقائد جوقة سانتا
ماريا ماجيوري للذكور منذ
أكثر من ثلاثين عاما كما رئيس المعهد الحبري للموسيقى
الدينية. إلى هذه الجوقة
السامية الآتية من إيطاليا لهذا الحدث، انضمت جوقة
المعهد الوطني للموسيقى وجوقة
جامعة السيدة المشرف عليهما الأب خليل رحمة وجوقة
جامعة الأنطونية
المشرف عليها
الأب توفيق معتوق.
فلنتخيل اللوحة الشاهقة التي ارتسمت بأعداد لا تحصى من
المنشدين
والمنشدات، مصحوبة في مستهل الليلة بموسيقى فيفالدي
الممهدة للجوقات صوتا واحدا حاملا
لحن التمجيد إلى قبة السماء بهذه الشعلة التي رسّخت
فيفالدي مبدعا مجددا
للألحان الكنسية، من خلال مواضيعه وإيقاعاته
وهارمونياته ومؤثراته الصوتية، وكلّها نراها
في هذا العمل الشاهق "المجد لله في الأعالي" آسرة بين
موسيقى وإنشاد في
الانعتاق من قشرة الأرض إلى هيولى الروح.
فيفالدي الشاعر بوحيه العميق، حاك حول هذا
العمل هالة من نور. في كل مقطع من الأحد عشر مقطعا،
دعوة إلى التأمل، اكان
بالأصوات الجماعية، أم بصوتي الميزو - سوبرانو
إيزابيلا باليرمو والسوبرانو ماريا
توماسي. كان فيفالدي في هذه الشاعرية المكسوة بالأبهة
يردّنا إلى التوبة، يرينا أجمل
ما في الموسيقى الكنسية، بقيادة كاهن مثله، فالنتان
ميزيراك، تتوأم به، جامعا
بين التقنيات الماهرة والايمان.
أجل هو إيمان فيفالدي هذا الكاهن المشتعل
بالتقوى، الذي جعل هذه المجموعة من عازفين ومغنين،
يتفجّرون حبورا في "المجد لله في
الأعالي"، لا سيما حين تريد المؤثرات الصوتية أن تضع
صوتين منفردين سوبرانو وميزو
في المواجهة مع جوقة هائلة بعددها من إناث وذكور وفي
المواجهة أيضا، الأصوات
البشرية وموسيقى الأوركسترا الموزّعة على وتريات
وهوبوا ونحاسيات وأرغن.
كل ما
في هذه الآية التي اسمها"
المجد" كان يتنفّس عبقرية فيفالدي وعذوبته
البوليفونية، من
التمهيد، إلى السكينة فالألوان الزاهية بين هوبوا
وسوبرانو. وفي كل مقطع، جدارية
منقوشة بالنغم الأسمى. فيفالدي قرع بقوة لينقل إلينا
كلام الرب.
قداس المجد
لبوشيني
من الباروك رسول
السماء على الأرض إلى
بوشيني الذي أغرى سمعنا حتى الآن بمؤلّفاته الأوبرالية
من
"تورندو"
و"مدام باترفلاي"، إلى "لا بوهيم" و"توسكا"، رصد القسم
الثاني من ليلة
الجمعة لبوشيني مع ثلاثة أصوات منفردة، الأب توفيق
معتوق، باريتون وأليسندرو
لوشيانو، تينور وهو ذاته التقينا به حبيب روزينا في
أوبرا روسيني، حلاّق أشبيلية،
وميشال بيانكيني باس وقام في حلاّق أشبيلية بدور دون
بازيليو.
"قداس المجد" قد
يكون من بدايات بوشيني في
التأليف، متأثرا بعائلة بوشيني التي كان لها على
الأورغ في
الكنائس، كما في الحياة الموسيقية مكانتها. فلعل هذا
القداس الذي تسنى لي للمرة
الأولى الاستماع إليه هو من بدايات جياكومو بوشيني
الذي خلف والده على الأورغ
باكرا، كما أصبح مسؤولا عن الموسيقى في كنيسة سان
مارتينو.
بقيادة المونسنيور
فالنتان ميزيراك، تعرّفنا
إلى بوشيني صانع أهم الأعمال الأوبرالية، يحيد عن درب
الغرام والخيانات والثأر والموت ندما وحسرة لأجل حبيب،
ليدخل في مجد الله، قداس من
تقاليد القداديس، لكن بريشة شاعر الألحان ورؤى فنان
يرى أبعد من المنظور في كتاباته
العميقة، موظفا الأصوات الجماعية في ما يشبه أمواج
البحر في ذهابها وأيابها، من
التمهيد إلى "كيري" فالمجد وفعل الإيمان و"قدوس"
و"بينيدكتوس" وأخيرا "حمل الله"
حيث يلتقي
صوتان بارعان، الباريتون الأب معتوق والتينور أليسندرو
لوشيانو.
مي منسى
ص16