|
ثـــــورة بــــــلا أدعيــــــاء
جاءنا رجل من فاراب
أضحكنا، ثم أبكانا، ثم غاب.
كمال
ناصر

سمير عطاالله
من المضني ان تدوّن التاريخ وانت في سباق معه. منذ أقل من
شهرين والعالم
العربي يعيد تأسيس نفسه، في ساحات المدن وعلى بوابات
العواصم، ولا شيء مألوفاً في
ما يجري. فالثورة العربية لم تبدأ من القاهرة كعادتها، بل
من بلدة تونسية مجهولة.
ولم يعلنها أصحاب البلاغ الرقم واحد من الثكن، بل بدأها
بائع خضار بائس وحزين
وجائع، لكنه ذو كرامة. ولم يتقدمها الرجال والكهول وأصحاب
الورش السياسية، بل شبان
مجهولون من اعمار المستقبل لا من مخلفات الماضي. ولم ترفع
لافتات مكتوبة في الدوائر
برطانة واحدة وبلادة واحدة وتكرار ممل، بل كتبت قضاياها
على كرتون او ورق بخط
الهواة والصادقين.
كل شيء كان مغايراً للمألوف المحترف، التردادي والشبيه
بإذاعات الكارثة ودعوات القسوة. "شباب يُقتلون ولا
يَقتلون" قال امين معلوف(1). لا
أحزمة مليئة بالمتفجرات ومزوّدة القتل ومحشوّة بعدمية
الانتحار. لا خطباء يغرقون
السامعين باللفظيات المستعارة من زمن الخيبة والسطوة
والفشل. حاول الأخ القائد ان
يخترع عدواً مناسباً للمرحلة، فقال لأهل "الزاوية" إن بن
لادن يقود الثورة، ويوزّع
حبوب الهلوسة، لكنهم ضحكوا وهم يقدمون صدورهم لرصاص
اللجان، ثم يقفزون فوق دباباته
المهجورة. كم بدا بعيداً في زمنه وكهفه، فيما تندفع ليبيا
الى الحياة والحرية وزمن
البشر. لم يدرك الأخ القائد ان المسرحية قد انتهت والمسرح
قد خلا والمصفقين قد
سئموا الدور، وصاروا يفضلون البطالة على عمل السخرة ورزق
الخنوع.
كنت واحداً من
ملايين العرب، أتأمل في أسى، كيف يتمسّك الحاكم الفرد بذل
السلطة وهوان البقاء. كان
زين العابدين بن علي ثقيلاً وهو يتوسّل بضع سنوات أخرى.
وكان حسني مبارك هزيلاً وهو
يتوسّل بضعة أشهر. وظلّ المسرح الشكسبيري الاغريقي
مفتوحاً، بكل ستائره، للأخ
العقيد، بألوانه وألفاظه وخطبه، لا يتقدمه ولا يسبقه فيها
أحد سوى خلفه ونجله سيف
الإسلام. فقد وصف العقيد خصوم الداخل بالكلاب، أما خصوم
الخارج فقال الإبن "إنهم
كانوا يأتون الى هنا ويلعقون أحذيتنا". (صرمايتنا،
باللبنانية).
لم تكن هذه لغة
النظام الليبي في نهاياته الدموية السينمائية، بل كانت
لغته الرسمية منذ البدايات.
وكان هذا سلوكه الخليط بين العنف والتهريج، بين الذات
المخترعة، المؤتزرة بلفائف
الاثواب الفاقعة، والشخص العنفي والفظّ، والساكن أبداً في
دور مسرحي انتهى هو الى
تصديقه وصار عاجزاً عن الخروج منه والعودة الى حياة طبيعية
بين شعبه وأهله، فيها
رعاية وعطف وصدق وعلاقة مع الأرض، دخل الثلاثة الى جحر
الذات ولم يعودوا يرون سوى
الأضواء الخافتة داخل هذا الجحر. كما في حكايات سلاطين
الزمان وسالف العصر والأوان،
صار حسني مبارك أسير أسوار العائلة. ولم يعد له من صديق أو
محاور حقيقي سوى حفيده،
الذي فجع بفقده. وصار زين العابدين بن علي أسير عائلة
الزوجة ومستواها الفكري. ودخل
معمر القذافي منذ اللحظة الاولى الى مرآته ولا يزال هناك،
في انتظار اللحظة
الأخيرة.
النفس أمّارة بالسوء. كان في إمكان مبارك أن يخرج في موعد
مناسب، ومعه
لقبه وأمواله، من دون كل هذا الذلّ ومصادرة جميع الأموال.
وكان في إمكان بن علي أن
يعدّ خلفاً له ويبقى سيداً في تونس، قريباً من أهله. ولم
يكن في إمكان معمر القذافي
سوى ما يفعل. يرسل الدبابات في إثر مواطنيه ويلقي الخطب عن
الجراثيم، فيما الليبيون
يشيّعون ضحاياهم من متعاطي "حبوب الهلوسة".
مسكينة ليبيا. مسكينة أولاً ومسكينة
أخيراً. لكنها في طريق العودة. أولاً، العودة الى الوعي،
وثانياً العودة الى العالم
العربي، وثالثاً العودة الى أسرة الدول الطبيعية. لقد أفاق
الليبيون وليس لهم من
افريقيا سوى أثواب القذافي وبنادق المرتزقة. ولعل من سمات
الثورة العربية، عودة مصر
وتونس ايضا. الاولى عائدة من غربتها والثانية عائدة من
عزلتها. الاولى عائدة ومعها
كرامتها، والثانية عائدة ومعها انفراجها بالحرية والخلاص
من ثقافة الشرطة
البلدية.
كم ضاع من زمن على هذه الأمة تحت أقدام الفرد، المعبود او
المستَعْبِد.
أُبعدت الشعوب عن خيارها وجُرّدت من قرارها وطالما صوروا
لها الوعي والحرية
والتقدم، على انها مجرد حبوب هلوسة، توزع في الاحياء.
وطالما قيل لها ان
الديموقراطية "اختراع صهيوني". عندما قيل ان معمر القذافي
سوف يخاطب الناس، قلت في
نفسي، لقد أفاق، او استُفيق، وسوف يرى وجوه الليبيين
وزمنهم الضائع، ويطلب منهم
الصفح عن 40 عاما جوفاء، مبتذلة، خارجة على القانون، خارجة
على الآداب العامة،
خارجة على الذوق العام.
اعتقدت انها خطبة موسوليني الاخيرة في ساحة ميلانو. أو
خطبة نيقولاي تشاوشيسكو الاخيرة في تيميشوارا. ولكن يا
لسوء حظ الليبيين، سوف يظل
يطل ويلقي الخطب، ولكن هذه المرة بشخصه الحقيقي، فاقدا حتى
حرفيته الفاشلة في
التمثيل. شخصية بول بوت الذي يريد ابادة كمبوديا من أجل
اعادة صياغتها من جديد، لا
وفقا لنموذج عصري، بل من أجل اعادتها الى حقول الارز
ومستنقعات التماسيح.
اكتشف
العرب شيئا لم يعرفه آباؤهم في الاستعمار ولم يتعرفوا اليه
في الاستقلال: الحرية!
دخل ليبيا من النفط مليار دولار يوميا ومرتبات الموظفين
250 دينارا في الشهر. اتصل
بي زميل ليبي عزيز فسألته ان نلتقي في القاهرة، فقال: "من
أين لي القاهرة؟ لم يزد
مرتبي منذ 20 عاما". منظمة الصحة العالمية تقول إن أهل
الجماهيرية العظمى يعانون
فقر الدم(2)، فيما العقيد يصرف الموازنات في تعويض الذين
ساهمت ليبيا في قتلهم حول
العالم. أربعة ملايين مصري يسكنون مدافن القاهرة (الرقم
الرسمي مليون ونصف مليون)
وأربعون مصريا حول جمال مبارك يجنون أموال هارون. الشرطة
التونسية لا تخالف القانون
في اعطاء محمد البوعزيزي رخصة لبيع الخضار وليلى طرابلسي
تخبئ 34 مليون دولار في
مكتبة بن علي. دفعة أولى. يستخدم القانون في بلاد البشر من
اجل حماية حقوق البشر،
وفي الأمة لا يجد البوعزيزي وسيلة لمواجهة العسف القانوني
سوى إحراق نفسه.
بدأ
معمر القذافي ظهوره ملازما، يقدم نفسه بدويا بسيطا من
الصحراء، ابن الراعي منيار
القذافي. والآن يمنّن الشعب الليبي بالنفط والنهر الصناعي
كأنهما من مصروفات الجيب.
حددت الديموقراطيات مدة الحكم لئلا يفقد الحاكم العلاقة
بالواقع. هيلاسيلاسي كان
لديه أمين صندوق يوزع العطاءات على الناس في القصر كل
اسبوع في حضوره. ومعمر
القذافي قرر ان يهدي الى كل ليبي 400 دولار فيما تعلن
اميركا أنه يملك 30 مليار
دولار في مصارفها وتعلن لندن أنه يملك لديها 20 مليار أورو.
الى أين؟ لا ندري.
لم يستقر أحد ولا شيء بعد. من تونس الى اليمن. أمة تعرف
ماذا ترفض بالتأكيد وتعرف
ماذا تريد لكنها لم تعرف بعد ماذا يمكن ان تقبل. الجيش
يمسك الخيوط في مصر وتونس،
لكن الاحتمالات مخيفة في ليبيا واليمن. الثورات تخشى
العودة الى البيوت لئلا تفقد
مكاسبها، لكن البقاء في الساحات يحول دون الحفاظ على شيء
او تحقيق أي شيء.
والتلفزيون ينقل الى زوايا العالم مشاهد التغيير لحظة
لحظة. حتى عُمان خرجت الى
التظاهر. كان يخيل الينا ان السلطان قابوس أقام دولة بلا
مطالب ومجتمعا عاملا لا
متظاهرين فيه، ولكن ها هي مدينة صحار تطالب بزيادة
الرواتب. هذه خلاصة الثورة:
المطالبة بالحياة والعصر. لافتات بسيطة مرفوعة على كرتون
منزلي: ما تمشي بقا،
وجعتني ايدي!
1 –
في ندوة "المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة".
2 –
راجع رنده
حيدر "النهار"، الاثنين 28 شباط 2011.
سمير عطاالله
|