|
يتامى الوطن الأم
سمّت صحيفةٌ اضراب اساتذة الثانوي
"انتفاضة
المعلمين". والتسمية لفتة ادبية، ملاحتها في مبالغتها لا في بلاغتها.
فلا
انتفاضات في بلد غافل، معلق الحواس، الا انتفاضات النزع
والنعاس. وقد تشابهت مواقف
الحكم والاحزاب والصحف والعموم، من مطالب المربين، كما
تتشابه في باقي مطالب
الكرامة الحياتية: اهمال وبرودة فاقعة. وكرر وزير
التربية شكوى الدولة من اننا
عاجزون ومفلسون ولا ارغفة في الخزنة للجائعين. ولو
عَدَلَ لذكَّرنا باننا الرقم 130
على لائحة الفساد العالمي، نتميز بالشفافية فقط على مثل
نيجيريا وزامبيا وزيمبابوي،
حيث الفساد هو الخلق، او على كينيا، حيث يتعين على كل
مواطن ان يقدم 16 رشوة كل
شهر. يوم إي يوم لأ.
لسنا كينيا بعد. نحن شيء من شيكاغو العشرينات، يدخل
المسلحون المطاعم ويؤدِّبون، على طريقة عائلة
"كوريليوني"، الخصمَ المكابر. البثور
على الوجه علامة مرض باطني لا خارجي. وفي انجيل يوحنا
ان السيد قال لتلامذته: ما
يخرج من الانسان لا يدنسه، انما الذي يدنسه الذي فيه.
لن يفيق هذا البلد المتخدر
بالاكاذيب والساكت على الزعرنة، ما دام يحمّل الآخرين
كل علله. البثور على الوجه
دليل امراض الباطن. إفراز لمركوم الداخل من اكداس
الدنس، والكذب، والتحايل، وتحويل
المخالفة والخطأ والتجاوز والتسلط، الى عبادة يومية
وإرث يورث بدل عار يمحى.
كان
بيار بيريغوفوا ميكانيكيا،1) ونقابيا اشتراكيا صادقا، صار
مع وصول فرنسوا ميتران الى
الاليزيه رئيساً للوزراء. ووفاء للتسمية والتولية كان
يتصرف معه كما يتصرف دوار
الشمس مع سيدته، أنّى اتجهَتْ استدار. لكنه انفجر فيه
ذات يوم، خلال نقاش عن بأساء
الناس. قال له، اسمع: كف عن التحدث عن الطمأنينة.
الضمان ليس هماً عند الاغنياء
والميسورين. والسلامة ليست هماً في الاحياء المحمية
ومدارس البورجوازيين. ان الذين
في حاجة الى من يطمئنهم هم الفقراء وسكان الاحياء
الحساسة والمزارع المعزولة
والمقاطعات المهددة
.
نحن بلد لا مكان فيه ولا دور ولا موقع لمن ليسوا شركاء
في التسلط، بدرجة او بأخرى. من الازلام الى ذوي
الإنعام. والذين يلجأون الى الاضراب
انما يطلبون في الحقيقة ايام عطلة، لا ايام عدالة. فهم
يدركون سلفا ان النظام
السياسي والاجتماعي قائم على الهزء بالحقوق الانسانية
والتعالي عن بحث قضايا الناس.
وتقوم "فذلكة" الموازنة على الشرح الثقيل والفج والخالي
من اي مشاعر للبسطاء من
الناس: لماذا يجب ان يكونوا بسنامين لا سنام واحد،
وببردعتين لا واحدة.
هذا
مجتمع يشبه مجتمع العبيد الذي تحدث عنه ابراهام لنكولن:
الناس قسمان، واحد يولد
وعلى ظهره اسرجة، وآخر يولد وفي اقدامه جزم عالية.
وغالبا، غالبا ما يشارك "العبد"
سيده في اضطهاد رفاقه، املا في الخروج من عالمهم الكادح
والاليم. وقد تحول العمل
النقابي العمالي الى شريك للسلطة (وليس للدولة) واجير
لديها. خاض معاركها
السياسية، ونسي معاركه النبيلة والاخلاقية والواجبة.
وحده فؤاد شهاب حاول ان يستعين
بالنقابات لكي يحد من توحش رأس المال وبربرية الاحتكار،
ومن اجل ان يبسط حدا ادنى
من العدالة الاجتماعية او "الامان" الوطني في المدن
و"المزارع المعزولة". لكن
السلطة وضعت يدها في ما بعد على القرار العمالي
واستكرته ووظفته ضد خصومها
ومعارضيها. ولم تعد الاضرابات تؤدي الى اي فوائد
اجتماعية، او انسانية، او
اقتصادية، وانما فقط الى التهديد ونشر التعطيل او
التخويف او ارهاب الحكومة، وبعدها
يعود العمال الى بيوتهم او الى بطالتهم او الى
عبوديتهم، لان بعض الاوضاع العمالية
يشابه وضع العبيد في روما او يتجاوزه سوءا وتردّياً
وجشعا وظلما
.
هذه طبقة
اليتامى الكبرى في لبنان. وطبقة اليتامى الصغرى هي
الاوادم والمستورون، الذين
يرفضون ان يشاركوا شبكات السلطة في غيها وشططها، او
النقابات العمالية في ارتهانها
للسلطة او لرأس المال، او مجموعة المافيات المعلنة التي
تقبض على جزء كبير من
الاقتصاد الموازي، وتتسبب بإفقار واذلال جزء كبير من
الناس
.
في الماضي كان قسم
وافر من الاحزاب يهتم بقضايا العمال والبسطاء. سواء
كحزب غير مؤثر، لا مكان له في
النظام، كالحزب الشيوعي، او كحزب وسطي، مثل "الكتائب"،
درج على تبني قضايا العمال
والانتساب الى النقابات العاملة. اليوم جميع الاحزاب
تتحدث فقط عن "سياسات عليا"،
منها من يريد ان يحرر لبنان، ومنها من يريد ان يحرر
فلسطين، ومنها من يريد ان يحرر
العراق. لكن احدا منها لا يطرح، او ليس لديه الوقت لان
يطرح، فكرة تحرير اللبناني
او العراقي او الفلسطيني من مذلات الايام وليالي الطوى
والكرب.
تصنفنا الدراسات
الدولية في خانات الفقر ومنظومات التخلف. ويشير تقرير
التنمية العربية الذي تصدره
الامم المتحدة الى وجود نحو مليون فقير لا يتحصلون على
دولارين في اليوم. واذ تبحث
الحكومة عن مداخيل تأخذ حريتها في استنساب الضرائب
المضافة المهلكة، كما يقول
الاستاذ كمال حمدان. والمواطن العادي ليس ضحية قسوة
الحكومات وحدها، بل هو ضحية
شبكة القوى الاجتماعية والسياسية التي تتوزع باسمه كل
مورد، وعلى ثيابه
يقترعون
.
الانسان الحقيقي والمواطن الحقيقي لا مكان له في اي
مكان. لا في الصحف
ولا في الجمعيات ولا في الندوات ولا على المنابر. على
ان هذا ليس لبنان الذي عرفناه
ايام السوية المعقولة. ما كان خاليا من العلل لكنه كان
مليئا بالامل. ما كان من دون
نواقص وسوءات، ولكن كان فيه فيء كثير. وكانت النقائض
تتهادن برقي ولا تتطاحن حتى
التواطؤ على شيء واحد وحال واحد هو العدم
.
لم يعد للانسان قضية ولا عاد هو قضية
او مقتضى. نحن مثل الجمهورية الايطالية الاولى التي
انتهت سنة 1999: لا مكان للفرد،
الاحزاب تنتقي مرشحيها وممثليها. لذلك عرفت ايطاليا
خلال تلك المرحلة اكبر حزب فاشي
في اوروبا واكبر حزب شيوعي. ومن الاحزاب الطفيلية ولدت
حركات اجرامية خاوية الفكر
تغطت باليسار، كالالوية الحمراء او غيرها ممن تم تدوينه
في باب الجريمة
الموصوفة
.
امام التكتلات العصبية يغيب الفرد الباهر. وتطرح
التكتلات عادة ذوي
موهبة واحدة، هي موهبة دوار الشمس. فالاحزاب تطالب
دائما بتغيير سواها. والتجمعات
تغير اعضاءها لا رؤيتها. وفي ظل هذا النوع من العمل
السياسي تحول البلد الى معسكرين
يتواجهان بالناس وليس من اجلهم. سمعت موظفا على رتبة
ما، ويضع ربطة عنق ونظارتين
طبيتين دلالة العلم، يتحدث عن "مساعدات" للمهجرين.
اعتقدت انه ردا على السؤال
التالي سوف يكون اكثر ادبا. لكنه مضى يتحدث عن
"المساعدات" وكأن المهجرين واقفون
على اعتاب بيت ابيه. ولم يلفت المذيع نظره، او اذنه،
الى ان هذه تعويضات، لا
شحاذات، ولا استعطاءات. وهذه حقوق الناس في ارضها،
وبيوتها، وحياتها، وامنها، وليست
منة من احد. لكن احدا لم يعد يهتم بمعاني الكلمات
ووقعها. لقد تبلدنا على لغة
السياسيين ولهجاتهم وتعاليهم على ذلك القسم من الناس
الذي يولد وعلى ظهره اسرجة.
المهجرون والمعلمون والعاملون والاوادم والمستورون، هم
طبقة الخائفين لا الآمنين.
الطبقة التي تحدث عنها بيار بيريغوفوا، الميكانيكي
السابق، الى الاشتراكي الذي لم
يعرف معاناة الناس الا من النافذة والكتب وقصائد صديقه
سان جون بيرس. كاد الاشتراكي
المدلَّة يردد ما نسب الى النمسوية ماري انطوانيت:
لماذا لا يأكلون البسكوت بدل
الخبز. حقا، مما يشكو البسكوت؟
وماذا يريد المعلمون؟ لماذا يعكرون الخواطر كل
فترة باضراب شديد؟ الم يدركوا بعد، في اي نوع من
الاوليغارشيات نحيا؟ الا يرون، بأم
العين، اننا بلد ترشح فيه الخطوات الطيبة مثل جدران
المغاور، نقطة نقطة. اذا اعتدل
قانون ألغي آخر. واذا صدق موعد كذّب آخر. واذا صحا نهار
ادلهَمَّ ليل
طويل
.
البثور في الوجه اعراض لامراض داخلية. حادثة اطلاق
النار في مطعم،
بالاسلوب الذي جرت فيه، فصل من حياة شيكاغو زمن آل
كابوني. لا يقتل الخصم بل يؤدّب
بالنزف حتى الموت. ولا تكون هناك مبارزة، كالتي اودت
بألكسندر بوشكين بل يتولى
الازلام تسوية الامور وفقا لقوانينهم وطبقا لاستباحة
هيبة الدولة.
هيبة فضّتها
الجريمة السياسية، وتستقوي عليها الآن الجريمة المنظمة،
باشكالها ووجوهها الكثيرة.
لا يمكن بسط حكم القانون، اذا كانت القوى السياسية لا
تقر به وتتعالى عليه. ولا من
الممكن نشر مناخ آمن حيث السلطة استنساب وانتقاء.
وعندما تغيب الدولة، او تغيّب،
يستغاب القانون وتستغفل حقوق الاوادم.
سمير عطاالله
(1)
راجع جان دانيال،
"نوفيل
اوبسرفاتور" 18-24 شباط 2010.
|